تحليلات واراء

فتح بين إرث الثورة وحزب السلطة.. أزمة بنيوية صارخة تواجه الحركة

كشف انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح مؤخرا بعد انقطاع لعشرة أعوام، عن عمق أزمة بنيوية تواجه الحركة، سواء على مستوى القيادة والتنظيم، أو مستوى الهوية السياسية والدور التاريخي الذي لعبته لعقود بوصفها حزب السلطة.

وبينما حاولت قيادة الحركة تقديم المؤتمر الثامن باعتباره محطة لإعادة تجديد الشرعية الداخلية وترتيب البنية التنظيمية، فجّر المؤتمر مجدداً أسئلة قديمة حول طبيعة فتح الحالية، وحول مدى استمرار صلاحية الخطاب التقليدي الذي يصفها بأنها “عمود الخيمة الفلسطينية”.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي أسامة أبو ارشيد أن هذا الوصف تحول مع الوقت إلى “كليشيه سياسي” جرى تكريسه إعلامياً وسياسياً رغم التغيرات العميقة التي أصابت الحركة منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 وحتى اليوم.

ويشير أبو ارشيد إلى أن أخطر ما في هذه الكليشيهات أنها تتحول تدريجياً إلى حقائق شبه مقدسة، بحيث يصبح مجرد التشكيك فيها مدخلاً لاتهامات تتعلق بالموضوعية أو الوطنية أو فهم التاريخ الفلسطيني.

نتائج المؤتمر العام الثامن لحركة فتح

انطلق المؤتمر الثامن لحركة “فتح” في رام الله وغزة والقاهرة وبيروت بالتزامن، بهدف إعادة تشكيل الأطر القيادية للحركة بعد سنوات طويلة من الجمود التنظيمي، إلا أن الحدث فتح الباب مجدداً أمام نقاش أوسع يتعلق بتحولات الحركة منذ تأسيسها وحتى اليوم.

فالحركة التي انطلقت عام 1965 باعتبارها مشروعاً للتحرير الوطني والكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي، باتت اليوم، جزءاً من منظومة السلطة التي نشأت بموجب اتفاق أوسلو، وتحولت تدريجياً من حركة مقاومة إلى سلطة إدارية وأمنية مرتبطة بتفاهمات سياسية وأمنية مع الاحتلال.

ويؤكد أبو ارشيد أن “فتح الانطلاقة” ليست هي نفسها “فتح أوسلو”، موضحاً أن الحركة مرت بتحولات عميقة أفقدتها الكثير من ملامحها الأصلية، خاصة بعد سيطرة محمود عباس على مفاصلها السياسية والتنظيمية عقب وفاة ياسر عرفات عام 2004.

واستعرض أبو ارشيد سلسلة طويلة من المحطات التاريخية التي سبقت تأسيس الحركة، بدءاً من ثورة موسم النبي موسى عام 1920، مروراً بثورة يافا وثورة البراق وثورة عز الدين القسام والثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939، وصولاً إلى معارك جيش الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني عامي 1947 و1948.

واعتبر أن تجاهل هذا التاريخ الطويل وتقديم فتح باعتبارها نقطة البداية الوحيدة للمقاومة الفلسطينية يمثل نوعاً من إعادة صياغة الوعي الفلسطيني بصورة انتقائية تخدم السردية التنظيمية للحركة أكثر مما تخدم الحقيقة التاريخية.

لكن المفارقة الأكبر، بحسب أبو ارشيد، تتمثل في أن “فتح” الحالية ما تزال تحمل داخلها تناقضاً حاداً بين إرثها المقاوم القديم ودورها الأمني والسياسي الحالي في إطار السلطة الفلسطينية.

ويظهر هذا التناقض بوضوح في نتائج انتخابات اللجنة المركزية الأخيرة، حيث تصدر الأسير مروان البرغوثي، الذي يمثل رمزاً للمقاومة داخل الحركة، قائمة الفائزين، بينما جاء بعده مباشرة رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية ماجد فرج، الذي يرتبط اسمه بملف التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي.

ويرى أبو ارشيد أن هذه الازدواجية تعكس أزمة هوية حقيقية داخل الحركة، بين تيار ما يزال يرى نفسه امتداداً لحركة تحرر وطني، وآخر بات مندمجاً بالكامل في بنية السلطة ووظائفها الأمنية والسياسية.

استمرار هيمنة محمود عباس على فتح

سلط المؤتمر الثامن لحركة فتح الضوء على استمرار هيمنة محمود عباس على الحركة والسلطة ومنظمة التحرير رغم تقدمه الكبير في السن وغياب أي عملية انتقال سياسي واضحة داخل النظام الفلسطيني.

وأشار أبو ارشيد إلى أن إعادة تجديد الثقة بعباس، الذي يقود السلطة منذ أكثر من عقدين دون انتخابات رئاسية منذ عام 2009، تعكس أزمة عميقة داخل فتح نفسها، خاصة مع غياب أي مشروع سياسي جديد أو رؤية قادرة على مواجهة التحولات الإقليمية والانهيار المتواصل للمشروع الوطني الفلسطيني.

كما أثار انتخاب ياسر عباس، نجل عباس، عضواً في اللجنة المركزية للحركة انتقادات واسعة داخل أوساط فتحاوية معارضة، اعتبرت الخطوة مؤشراً على تصاعد النزعة العائلية داخل البنية القيادية للحركة.

ويذهب أبو ارشيد إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن “فتح” لم تعد فعلياً حركة تحرر وطني منذ سنوات، بل تحولت تدريجياً إلى جزء من الأزمة الفلسطينية ذاتها، بعدما تداخلت السلطة بالحركة وتحولت المصالح السلطوية إلى عنصر حاكم في القرار السياسي والتنظيمي.

ويؤكد أن “فتح” في صيغتها الحالية باتت، جزءاً من إفساد المشروع الوطني الفلسطيني، بعدما احتكرت القرار السياسي وهمشت كثيراً من رموزها التاريخيين والكوادر الوطنية المعارضة داخلها.

ويشير إلى أن أجيالاً فلسطينية شابة، خاصة خارج الأراضي الفلسطينية، باتت تنظر إلى “فتح” باعتبارها جزءاً من السلطة التي تراجعت شعبيتها وشرعيتها، أكثر من كونها حركة تحرر تمثل طموحات الفلسطينيين.

ويخلص إلى أن المؤتمر الثامن لحركة “فتح” لم ينجح في تقديم إجابات حقيقية حول مستقبل الحركة أو المشروع الوطني الفلسطيني، بل أعاد إبراز حجم الانقسام والتناقض داخل أكبر الفصائل في لحظة تاريخية يعيش فيها الفلسطينيون واحدة من أخطر مراحلهم السياسية والوطنية منذ عقود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى