فتح تروج لاعتقال ناشط رأي باعتباره إنجازاً أمنياً

أثار إعلان قيادي في حركة فتح عن اعتقال ناشط رأي جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والحقوقية، في ظل تصاعد الانتقادات لأداء الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية وتوسّع حملات الاعتقال في الضفة الغربية.
وكتب القيادي في حركة فتح منير الجاغوب عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي أن جهاز الأمن الوقائي في رام الله والبيرة “تمكّن بعد متابعة دقيقة من كشف وإيقاف نشاط إعلامي مسيء عبر تطبيق تيك توك استهدف القيادة والأجهزة الأمنية”، مشيراً إلى اعتقال أحد المتورطين من مدينة البيرة، فيما يقيم آخرون خارج البلاد.
ووصف الجاغوب العملية بأنها “إنجاز أمني جديد يعكس الجهود المتواصلة في حماية الساحة الداخلية وكشف حملات التشهير”، في خطاب اعتبره مراقبون دليلاً على توجّه رسمي لتصوير ملاحقة المعارضين والناشطين كجزء من مهام حفظ الأمن.
القمع يطال حتى معلمي القرآن
يأتي ذلك في وقت مددت فيه أجهزة السلطة الفلسطينية اعتقال الأسير المحرر أحمد يامين لمدة 14 يوماً، بعد عرضه على النيابة العامة وإحالته إلى المحكمة التي صادقت على قرار التمديد، وفق ما أفاد به مصدر عائلي.
وأوضح المصدر أن اعتقال يامين تم بعد استدعائه عبر ما يُعرف بأسلوب “الاستدراج الأمني”، حيث طُلب منه الحضور إلى مقر الأجهزة الأمنية، ليتم احتجازه فور وصوله، في نمط بات يتكرر في ملاحقة النشطاء والمواطنين في الضفة الغربية.
ويُعد يامين، وهو معلم في أكاديمية القرآن الكريم بمدينة نابلس، من الوجوه الشابة المعروفة في المدينة، ويحظى بقبول واسع، ما زاد من حالة الاستياء الشعبي عقب اعتقاله، خاصة في ظل غياب توضيحات رسمية حول التهم الموجهة إليه.
وتعكس هذه التطورات، بحسب مراقبين، تصاعد سياسة تكميم الأفواه وتضييق الحريات العامة، حيث تتجه الأجهزة الأمنية إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل نشطاء الرأي ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، تحت ذرائع تتعلق بالأمن أو “الإساءة للقيادة”.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
تأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع من الانتقادات الدولية لأداء السلطة الفلسطينية في ملف حقوق الإنسان، حيث وجهت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي لعام 2025 انتقادات حادة للأجهزة الأمنية، معتبرة أنها “تحولت إلى أداة قمع داخلي”.
وأشار تقرير المنظمة إلى أن الانتهاكات خلال عام 2025 اتخذت طابعاً منهجياً، يعكس وجود سياسة متكاملة تستهدف المعارضين والمنتقدين، وتعمل على تقييد الحريات العامة وتعزيز حالة الإفلات من العقاب.
وأكدت المنظمة أن السلطة، في الوقت الذي يواجه فيه الفلسطينيون ظروفاً قاسية تحت الاحتلال الإسرائيلي، اختارت توجيه أدواتها الأمنية نحو الداخل، بدلاً من الاستجابة لمطالب المجتمع المتعلقة بالحرية والكرامة.
ووثّقت “هيومن رايتس ووتش” تصاعداً ملحوظاً في حالات الاعتقال التعسفي والتعذيب في الضفة الغربية، مشيرة إلى أن اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان تلقت خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025 نحو 356 شكوى تتعلق بالاعتقال التعسفي، شملت حالات احتجاز دون محاكمة أو توجيه تهم.
كما رصدت 79 شكوى تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز لدى أجهزة السلطة، في مؤشر على تفاقم الانتهاكات داخل مراكز التوقيف.
وتكشف هذه الأرقام، وفق التقرير، عن ضعف واضح في منظومة المساءلة، حيث نادراً ما تتم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فيما تبقى الشكاوى دون متابعة فعالة.
في هذا السياق، يرى محللون أن الترويج لاعتقال ناشطين باعتباره “إنجازاً أمنياً” يعكس تحولاً في وظيفة الأجهزة الأمنية، من حماية المجتمع إلى مراقبة المجال العام وضبطه، بما يحد من أي تعبير معارض أو ناقد.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج من شأنه أن يفاقم الاحتقان الداخلي، ويقوض ما تبقى من ثقة بين المواطن ومؤسسات السلطة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية المتراكمة.
في المقابل، تتزايد الدعوات من جهات حقوقية ونشطاء لوقف سياسة الاعتقالات على خلفية الرأي، والإفراج عن المعتقلين، وفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات الموثقة، وضمان احترام الحريات الأساسية.






