سلطة رام الله تتجاهل الانتقادات الموجهة لمسودة الدستور وتغلق باب استقبال الملاحظات

تجاهلت سلطة رام الله الانتقادات واسعة النطاق الموجهة لمسودة الدستور الفلسطيني المؤقت بالإعلان عن إغلاق باب استقبال الملاحظات على المستودة وبالتالي تكريس التفرد في فرضها رغم الاعتراضات الوطنية.
فقد أعلنت لجنة صياغة الدستور المؤقت إغلاق باب استقبال الملاحظات على مسودة الدستور المؤقت، بعد انتهاء فترة النشر التي استمرت 60 يوماً عبر المنصة الإلكترونية المخصصة، وذلك استناداً إلى المرسوم الرئاسي الصادر بتاريخ 9 شباط/فبراير 2026.
وزعمت اللجنة أن المنصة الإلكترونية شهدت تفاعلاً ملحوظاً من مختلف شرائح المجتمع، حيث بلغ عدد زوارها نحو 15 ألف زائر، فيما وصل عدد التعليقات على مواد الدستور إلى 700 تعليق، إضافة إلى تلقي أكثر من 50 دراسة متخصصة من مؤسسات حكومية ودولية وعربية، إلى جانب هيئات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان وشخصيات قانونية وأكاديمية.
وادعت اللجنة أن “هذه المشاركة الواسعة تعكس اهتماماً متزايداً بمسار إعداد الدستور، وحرصاً من المواطنين والجهات المعنية على الإسهام في صياغة وثيقة دستورية تعبر عن تطلعات الشعب الفلسطيني وتستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة”.
كما زعمت أنها ستواصل عقد اللقاءات والنقاشات التوعوية مع مختلف الفئات، بهدف توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية في مناقشة المسودة، والعمل على تطوير النصوص المقترحة وصولاً إلى صيغة توافقية تحظى بقبول وطني واسع.
وكان الرئيس محمود عباس قد أصدر في 9 فبراير الماضي قراراً رئاسياً يقضي بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، وإتاحتها للاطلاع العام عبر المنصة الإلكترونية الخاصة بلجنة الصياغة، إلى جانب وسائل نشر أخرى تقررها اللجنة.
انتقادات من داخل منظمة التحرير
يأتي ذلك فيما تتواصل الانتقادات لمسودة الدستور الفلسطيني المؤقت بما في ذلك من داخل منظمة التحرير.
إذ شن حزب الشعب هجومًا لاذعًا على مسودة الدستور بوصفها “كارثية” وغير القادرة على تمثيل تطلعات الفلسطينيين، مطالبًا بإجراء تعديلات جوهرية قبل إقرارها.
وصرح رزق عطاونة منسق لجنة الدستور في حزب الشعب، بأن المسودة الحالية تعاني من اختلالات عميقة تبدأ من الديباجة التي “تغفل التأكيد الصريح على الحقوق الثابتة وغير القابلة للتصرف”، وأبرزها حق تقرير المصير والاستقلال والسيادة وحق العودة.
وانتقد عطاونة تجاهل ربط الدستور بالسياق النضالي، معتبرًا أن الصياغة الحالية تتجاهل واقع التهجير والتطهير العرقي والاستيطان وتفرغ النص الدستوري من مضمونه.
وبملف تعريف الدولة، طالب الحزب بالعودة لوثيقة الاستقلال كأساس مرجعي مع التأكيد على أن دولة فلسطين تمثل الفلسطينيين أينما وجدوا وتضمن المساواة الكاملة وصون الحريات والكرامة الإنسانية.
ودعا إلى تحول جذري نحو نظام برلماني كامل بدلًا من النظام شبه الرئاسي، معتبرًا أن الصيغة الحالية تعزز تركز السلطة ولا تخدم التحول الديمقراطي.
كما اقترح تعديلات تفصيلية على آليات تشكيل الحكومة وسحب صلاحيات مثيرة للجدل مثل تعيين نائب للرئيس مع تقليص قدرة حل المجلس التشريعي.
تهميش منظمة التحرير عن إعداد الدستور
مشف عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وعضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين رمزي رباح أن اللجنة التنفيذية للمنظمة لم تُطلع، لا من قريب ولا من بعيد، على تشكيل لجنة صياغة الدستور المؤقت، ولا على مرسوم إنشائها، ولا حتى على صلاحياتها أو آليات عملها.
وقال رباح في تصريحات صحفية إن “اللجنة التنفيذية لا علم لها لا بمرسوم الدستور المؤقت، ولا باللجنة المكلفة بصياغته، ولا بتسمية أعضائها أو طبيعة صلاحياتها”، مشددًا على أن “كل ما جرى تم بقرار فردي من الرئيس، خارج أي نقاش مؤسسي أو وطني”.
وأضاف أن الموضوع لم يُعرض كذلك على المجلس الوطني الفلسطيني، في تجاهل صارخ لأعلى هيئة تمثيلية يفترض أن تكون المرجعية في القضايا المصيرية.
وانتقد رباح توقيت الخطوة، معتبرًا أن الحديث عن صياغة دستور في ظل استمرار الاحتلال يفتقر إلى الأساس السياسي والقانوني.
وأوضح أن “الدستور يفترض وجود سيادة على الأرض، وهو ما لا يتوفر حاليًا، كما أن الشعب الفلسطيني محروم من ممارسة حقوقه السياسية الأساسية تحت الاحتلال، ما يجعل الحديث عن تطبيق دستور أمرًا إشكاليًا وغير واقعي”.
منظمة التحرير الفلسطينية ويكيبيديا
تكشف هذه التصريحات عن عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بمنظمة التحرير والنظام السياسي الفلسطيني عمومًا، حيث أشار رباح إلى وجود “خلافات طاحنة” داخل أطر المنظمة، تتمحور حول ثلاث قضايا مركزية تعكس صراعًا على طبيعة المشروع الوطني ومساره.
وبحسب رباح، تتمثل القضية الأولى في الخلاف حول طبيعة المرحلة السياسية الراهنة؛ إذ يرى تيار داخل القيادة أنها مرحلة انتقال نحو الدولة، في حين تعتبر قوى أخرى أنها مرحلة تحرر وطني تتطلب إعادة بناء استراتيجية مقاومة شاملة، سياسية وشعبية، في مواجهة الاحتلال، بدل الارتهان لمسار تسوية متعثر.
أما القضية الثانية، فتتعلق بالتجاوب مع الشروط الأمريكية والإسرائيلية تحت عنوان “الإصلاح السياسي”، وهي شروط يرى رباح أنها لا تهدف إلى بناء نظام ديمقراطي حقيقي، بل إلى إضعاف النظام السياسي الفلسطيني وتفريغ منظمة التحرير الفلسطينية من مضمونها ودورها التمثيلي، بما يخدم متطلبات الأمن والاستقرار للاحتلال لا حقوق الشعب الفلسطيني.
وتتمحور القضية الثالثة، والأخطر وفق رباح، حول تحجيم دور منظمة التحرير وتجاوزها في القضايا المرجعية والوطنية الكبرى، وهو ما تجلّى بوضوح في ملف صياغة الدستور المؤقت، الذي جرى إعداده ونشره دون أي نقاش داخل اللجنة التنفيذية، لا قبل الصياغة ولا بعدها.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل حلقة جديدة في مسلسل تهميش المؤسسات الوطنية، وتحويل القرارات المصيرية إلى شأن خاص يُدار داخل دائرة ضيقة من المستشارين، بعيدًا عن مبدأ الشراكة الوطنية والتمثيل الديمقراطي.
ويحذر هؤلاء من أن الاستفراد بصياغة الدستور، في ظل غياب الإجماع الوطني والشرعية الانتخابية، يهدد بتكريس انقسام سياسي ودستوري جديد، بدل أن يشكل مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية.
وفي ظل الاحتلال والانقسام، وغياب الانتخابات، يشدد المراقبون على أن الأولوية لا ينبغي أن تكون لصياغة نصوص دستورية فوقية، بل لإعادة الاعتبار للمؤسسات، وإشراك الشعب وقواه السياسية في رسم مستقبلهم، كون أن دستور يُكتب بقرار فردي وفي غياب السيادة، لا يمكن أن يكون عقدًا اجتماعيًا جامعًا، بل وثيقة خلاف جديدة تُضاف إلى سجل الأزمات المتراكمة.





