تحليلات واراء

انحدار مرتزقة شبكة أفيخاي بتبرير استهداف الاحتلال لعناصر الشرطة في غزة

يتواصل استهداف الاحتلال الإسرائيلي لعناصر الشرطة في قطاع غزة، ليتحول إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى ضرب بنية النظام المدني، وفتح المجال أمام فوضى أمنية تخدم أجندات واضحة على الأرض.

وتُظهر الوقائع الميدانية أن الاستهداف المتكرر لعناصر الشرطة لا يأتي بمعزل عن هدف أوسع، يتمثل في تفكيك أدوات الضبط الداخلي في القطاع، ودفع المجتمع نحو حالة من الانفلات، حيث تغيب السلطة المدنية، وتحضر بدلاً منها الفوضى، والاحتكار، والاستغلال.

وفي القانون الدولي الإنساني، تُصنّف الشرطة كجهاز مدني بحت، مهمته حماية السكان المدنيين والحفاظ على النظام العام، خصوصاً في أوقات النزاعات. غير أن هذا التصنيف لا يبدو له أي اعتبار في سلوك الاحتلال، الذي يتعامل مع هذه المؤسسة باعتبارها هدفاً مشروعاً، في خرق واضح للأعراف الدولية.

والأخطر من ذلك لا يكمن فقط في الاستهداف العسكري، بل في الخطاب الموازي الذي يروّج له إعلام الاحتلال ومنصاته الدعائية لا سيما شبكة أفيخاي، حيث تُقدم هذه العمليات على أنها “مبررة”، بل ويتم تحميل الضحية مسؤولية استهدافها.

تحريض شبكة أفيخاي ضد الشرطة في غزة

تُظهر المواد المتداولة على منصات محسوبة على الاحتلال، ومنها حسابات مرتزقة شبكة أفيخاي، محاولة ممنهجة لإعادة تعريف دور الشرطي، وتحويله من عنصر حماية مدنية إلى “تهديد” مزعوم.

وبحسب مراقبين فإن هذا الخطاب لا يقف عند حدود التبرير، بل يتجاوز إلى مستوى أكثر انحداراً، يتمثل في الشماتة بالضحايا، والتشكيك في شرعية وجودهم بين المواطنين، وتصوير أداء الواجب اليومي—سواء في الأسواق أو الشوارع—كأنه نشاط يستدعي الاستهداف.

ويستند تبرير الاستهداف من قبل شبكة أفيخاي إلى ذريعة انتماء عناصر الشرطة إلى فصيل سياسي معين، في محاولة لتسييس جهاز مدني بطبيعته، وخلط الأدوار بشكل متعمد لتبرير استهدافه.

غير أن هذه الحجة، حتى لو تم التسليم بها جدلاً، لا تصمد أمام أي معيار قانوني أو إنساني، إذ لا يُسقط الانتماء السياسي الصفة المدنية عن الجهاز، ولا يحوّل أفراده إلى أهداف عسكرية مشروعة.

ويكشف هذا التبرير عن محاولة مكشوفة لتوسيع دائرة الاستهداف، بحيث تشمل كل ما يساهم في بقاء المجتمع متماسكاً، وليس فقط البنى العسكرية وذلك انسجاما مع ماكينة الدعاية الإسرائيلية.

ويبرز المراقبون أن غياب الشرطة في أي مجتمع، خصوصاً في ظروف الحرب، يعني عملياً فتح الباب أمام أشكال متعددة من الفوضى: من انتشار الجريمة، إلى سيطرة تجار الأزمات، وازدهار السوق السوداء، وصولاً إلى تفكك النسيج الاجتماعي.

وهذا تحديداً ما يبدو أن الاحتلال يسعى إليه: تحويل غزة إلى مساحة غير قابلة للحياة المنظمة، حيث تصبح الأولوية للبقاء الفردي، وتغيب القدرة على إدارة الشأن العام وهو ما يتماهي مع خطاب مرتزقة شبكة أفيخاي.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل استهداف الشرطة عن محاولات موازية لضرب البنية الاقتصادية والاجتماعية، بما يخلق بيئة مثالية لانتشار الفوضى، واستنزاف المجتمع من الداخل.

واللافت أن الخطاب الدعائي المواكب لهذه العمليات لا يستهدف فقط تبرير الفعل، بل يسعى أيضاً إلى التأثير على الوعي العام، عبر نشر روايات تضعف الثقة بالمؤسسات المحلية، وتزرع الشك في جدوى وجودها.

ويعكس هذا النمط من “الحرب النفسية” إدراكاً عميقاً لأهمية الجبهة الداخلية، ومحاولة لتفكيكها من الداخل، بالتوازي مع الضربات الميدانية.

في المقابل، يتجاهل هذا الخطاب حقيقة بسيطة: أن المستفيد الوحيد من غياب الشرطة ليس المواطن، بل الأطراف التي تسعى إلى تفكيك المجتمع وتحويله إلى حالة من الفوضى الدائمة ممثلا بالاحتلال وعصاباته.

شبكة أفيخاي وإعادة إنتاج خطاب الاحتلال

إذا كانت الشرطة تمثل خط الدفاع الأول عن النظام العام، فإن استهدافها يعني عملياً إزالة هذا الخط، وترك المجتمع مكشوفاً أمام كل أشكال الانهيار.

هنا يبرز الدور الذي تلعبه حسابات مرتزقة شبكة أفيخاي والجهات في ترويج هذه الروايات، حيث تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج خطاب الاحتلال، وتبرير سياساته، بل والمشاركة في تشويه الضحايا.

ويثير هذا الدور، الذي يتجاوز مجرد التفاعل الإعلامي، تساؤلات جدية حول طبيعة هذه المنصات، والأهداف التي تخدمها، خاصة في ظل تكرار نفس السرديات وتطابقها مع الخطاب الرسمي للاحتلال.

وما بين القصف والتبرير، يتضح أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل أيضاً على تعريف من هو “الهدف” ومن هو “الضحية”، في محاولة لإعادة صياغة الواقع بما يخدم استمرار الفوضى، ويُبقي المجتمع تحت ضغط دائم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى