تحليلات واراء

ضباط سلطة رام الله أخطر عملاء الاحتلال في غزة دون أي حساب أو إعلان براءة منهم

كعادتها، التزمت سلطة رام الله وأوساط حركة فتح الصمت المطبق إزاء إعلان أمن المقاومة تنفيذ أحكام الإعدام بحق أحد أخطر عملاء جهاز مخابرات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، ليتضح أنه أحد ضباط السلطة.

ولم تصدر سلطة رام الله أو حركة فتح أي بيان يعقب على خطوة أمن المقاومة أو يعلن البراءة من العميل الذي جرى إعدامه، وثبت أنه تسبب في استشهاد 37 فلسطينيًا، بينهم قيادات من المقاومة، أبرزهم قائد هيئة أركان كتائب القسام عز الدين الحداد “أبو صهيب”.

وكان العميل (م.م) يعمل ضابطًا في جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية، في وقت أكد فيه أمن المقاومة أن بحوزته “اعترافات مصورة وموثقة” بجرائمه في غزة.

ويبرز هنا أن هذا المسار لا يعد جديدًا، إذ يتولى ضباط وعناصر في أجهزة السلطة تجنيد عملاء لصالح الاحتلال الإسرائيلي وأجهزته الاستخبارية، وعلى رأسها جهاز “الشاباك”، مستفيدين من مواقعهم الرسمية وشبكات علاقاتهم الاجتماعية، في ظل غياب كامل لأي مساءلة أو توضيح رسمي من قيادة السلطة أو حركة فتح.

وبحسب شهادات ومعطيات متقاطعة، فإن ضباطًا محسوبين على أجهزة أمن السلطة لعبوا أدوارًا تتجاوز التنسيق الأمني التقليدي، لتصل إلى استدعاء مواطنين من معارفهم وأبناء دوائرهم الاجتماعية، وترتيب لقاءات لهم مع ضباط الاحتلال تحت حماية قواته، بهدف الضغط عليهم أو تجنيدهم للعمل الاستخباري، خصوصًا في مناطق منكوبة تعاني انهيارًا أمنيًا وإنسانيًا واسعًا، مثل قطاع غزة.

وتشير مصادر أمنية إلى أن عددًا من العناصر المتورطة لا يعملون في الظل، بل يحملون رتبًا عسكرية رسمية ويتقاضون رواتبهم من الخزينة العامة للسلطة الفلسطينية، ما يطرح تساؤلات حادة حول طبيعة الاختراق داخل المؤسسات الأمنية، وحدود المسؤولية السياسية المباشرة عن استمرار هذا النمط من السلوك.

عصابات الاحتلال في غزة.. ويكيبيديا

تبرز في هذا السياق أسماء مثل المدعو شوقي أبو نصيرة، الذي يحمل رتبة لواء في الشرطة الفلسطينية، وهي من أعلى الرتب الأمنية، وينخرط في عصابات الاحتلال بشكل علني في قطاع غزة.

ويعتبر مراقبون أن ورود اسم بهذه الرتبة في سياق التورط في التعاون مع الاحتلال أو تسهيل نشاطه يمثل مؤشرًا خطيرًا على مستوى الخلل داخل منظومة الرقابة والمساءلة في أجهزة السلطة.

كما يرد اسم حميد الصوفي، وهو عميد في جهاز الاستخبارات العامة، وهو الجهاز المفترض أنه معني بحماية الأمن الوطني ومواجهة الاختراقات الإسرائيلية.

ويُضاف إلى ذلك أسماء ضباط ميدانيين، من بينهم غسان الدهيني، الملازم أول في جهاز الأمن الوطني، وحسام الأسطل، الضابط في جهاز الأمن الوقائي، المعروف بارتباطه الوثيق بملفات التنسيق الأمني مع الاحتلال.

وتشمل القائمة كذلك رامي حلس، الضابط في حرس الرئيس، وأشرف المنسي، العسكري في جهاز أمن الرئاسة، إلى جانب محمد أبو الكاس وناصر الحرازين، وهما عسكريان في جهاز الاستخبارات، ورمزي أبو ديب، العسكري في جهاز الأمن الوطني.

ويجمع بين هذه الأسماء استمرار صفتهم الوظيفية الرسمية، وعدم صدور أي قرارات معلنة بحقهم، رغم تداول أسمائهم علنًا وربطها بأنشطة تصب في مصلحة الاحتلال.

دعم السلطة لعصابات الاحتلال في غزة

تفيد مصادر مطلعة بأن هذه العناصر تحاول استغلال حالة التراجع التي أصابت البنية الأمنية والإدارية في قطاع غزة، بعد استهداف مقار الشرطة والمؤسسات الحكومية، للتحرك ضمن شبكات غير رسمية تؤدي أدوارًا “تكاملية” مع الاحتلال.

ويشمل ذلك جمع معلومات ميدانية، والتدخل في محيط المساعدات الإنسانية، والتأثير في حركة المدنيين، بل والمشاركة في ملاحقة مقاومين ومواطنين فلسطينيين تحت ذرائع أمنية.

ورغم خطورة هذه الاتهامات، لم يصدر عن حركة فتح أو عن رئاسة السلطة أي موقف رسمي ينفيها أو يدينها أو يعلن فتح تحقيقات مستقلة بشأنها.

إذ لم تُشكَّل أي لجان مساءلة، ولم تُجمَّد رتب أو رواتب، ولم تُحل أي من هذه الملفات إلى القضاء العسكري، الأمر الذي يقرؤه قطاع واسع من الشارع الفلسطيني بوصفه صمتًا مريبًا، أو غطاءً سياسيًا غير مباشر.

ويبرز خبراء في الشأن الفلسطيني أن الأجهزة الأمنية للسلطة لا تعمل بمعزل عن القرار السياسي، بل تخضع له بشكل مباشر، ما يعني أن استمرار أي عنصر في موقعه الوظيفي يفترض وجود غطاء إداري وسياسي.

وبناءً على ذلك، فإن التعامل مع هذه القضايا باعتبارها “تجاوزات فردية” لم يعد مقنعًا لكثيرين، في ظل تكرار الأنماط واتساع دائرة الاتهامات.

ويحذر مختصون من أن التغاضي عن شبهات بهذا الحجم يمنح الاحتلال فرصة إضافية لاختراق المجتمع الفلسطيني عبر أدوات محلية تحمل صفة رسمية، ويقوض أي خطاب للسلطة حول السيادة أو الإصلاح أو حماية الجبهة الداخلية. كما أنه يضعف الثقة الشعبية بالمؤسسات الأمنية، ويعمق الفجوة بين الشارع والقيادة السياسية.

وحتى اللحظة، لا تلوح في الأفق مؤشرات على تغيير هذا النهج. فالأسماء المتداولة ما زالت في مواقعها، والرواتب ما زالت تُصرف، والصمت الرسمي مستمر، فيما تتسع دائرة الأسئلة حول مسؤولية القيادة السياسية والأمنية، وحول الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون حين تتحول بعض مؤسساتهم، أو يُشتبه في تحولها، إلى مساحات رمادية تخدم الاحتلال بدلًا من مواجهته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى