اقتحام مستشفى بيت لحم يفجر أحدث فضائح “السيادة المزعومة” لسلطة رام الله

اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي محيط مستشفى جمعية بيت لحم العربية للتأهيل في بيت جالا، واحتجزت سيارة تابعة للشرطة الفلسطينية وشرطيين، وصادرت مسدس أحدهما، في مشهد شكل أحدث فضائح “السيادة المزعومة” لسلطة رام الله.
وتكتسب الواقعة دلالتها من موقع المستشفى نفسه، الذي يقع في بيت جالا بمحافظة بيت لحم ويقدم خدمات طبية وتأهيلية متخصصة للفلسطينيين، علما أن المؤسسة تعمل منذ تأسيسها عام 1960 لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة وتوفير الخدمات الصحية والتأهيلية للمجتمع الفلسطيني.
وتظهر المفارقة بأوضح صورها عندما يصبح الشرطي الفلسطيني نفسه هدفاً للاحتجاز والمصادرة داخل منطقة يفترض أن تكون خاضعة للسيطرة الفلسطينية. فاحتجاز سيارة شرطة ومصادرة سلاح شرطي يقدمان صورة مباشرة عن حدود القدرة الفعلية للأجهزة الفلسطينية على ممارسة وظائفها الأمنية.
ويضع المشهد الخطاب الرسمي الفلسطيني أمام اختبار جديد، خصوصاً أن السلطة دأبت على تقديم بناء الأجهزة الأمنية والمؤسسات الحكومية باعتباره جزءاً من مشروع إقامة الدولة الفلسطينية.
وتقول السلطة إن الاعتراف بالدولة والمؤسسات وبناء أجهزة الأمن يمثلان خطوات أساسية نحو الاستقلال، لكن الواقع الميداني يفرض سؤالاً مختلفاً: هل يمكن الحديث عن دولة بينما تستطيع قوة الاحتلال دخول المناطق الفلسطينية متى شاءت، واعتقال الفلسطينيين، ومصادرة أسلحة الأجهزة الرسمية؟
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
سبق أن وثقت تقارير فلسطينية ودولية عمليات إسرائيلية داخل محيط بيت جالا وبيت لحم، كما تعرض مستشفى جمعية بيت لحم العربية للتأهيل نفسه لاقتحامات إسرائيلية في سنوات سابقة.
ففي إحدى الوقائع، تحدث مدير المستشفى عن محاصرة القوات الإسرائيلية للمؤسسة ودخولها إليها بحثاً عن مشتبه بهم، وطلبها قوائم المرضى واستجوابها بعض الأطباء والممرضين.
وتكشف هذه الوقائع المتراكمة أن وجود المؤسسات الفلسطينية لا يعني بالضرورة امتلاكها السيطرة الكاملة على الأرض.
فالمؤسسة قد تحمل اسماً فلسطينياً، والشرطة قد ترتدي الزي الفلسطيني، والسيارة قد تحمل شعار الشرطة الفلسطينية، لكن القرار النهائي بشأن الحركة داخل مناطق واسعة من الضفة الغربية يبقى مرتبطاً بالاحتلال وقدرته العسكرية.
التنسيق الأمني والالتزام بالاتفاقيات مع الاحتلال
تزداد المفارقة مع تصريحات رئيس سلطة رام الله محمود عباس بشأن الاتفاقيات مع الاحتلال المتكررة بشأن أن الفلسطينيين اعترفوا بإسرائيل، وإن عدم التزام الاحتلال بالاتفاقيات سيقابل بعدم التزام فلسطيني مماثل.
وهنا يتساءل ناشطون متى يبدأ هذا “عدم الالتزام”؟ فإذا كانت القوات الإسرائيلية تدخل مناطق يفترض أنها خاضعة للسلطة وتحتجز أفراداً من الشرطة وتصادر أسلحتهم، فما الذي يبقى عملياً من الالتزامات الأمنية والسياسية التي بنت عليها السلطة جزءاً كبيراً من خطابها خلال السنوات الماضية؟.
وتزداد حدة السؤال لأن المواطن الفلسطيني لا يقيس السيادة بالبيانات السياسية أو بالتصريحات الرسمية، بل بما يراه أمامه.
إذ يرى المواطن سيارة الشرطة الفلسطينية وهي عاجزة عن حماية نفسها، ثم يشاهد القوات الإسرائيلية وهي تدخل وتنفذ ما تريد، فيجد نفسه أمام فجوة هائلة بين صورة الدولة في الخطاب الرسمي وصورتها على الأرض.
وتكشف حادثة المستشفى كذلك أزمة أوسع في مفهوم الأمن الفلسطيني. فالأجهزة الأمنية التابعة للسلطة تمتلك انتشاراً واسعاً في المدن الفلسطينية، وتتحمل مسؤوليات أمنية وقضائية وإدارية، لكنها تعمل داخل بيئة يظل فيها الاحتلال القوة العسكرية المهيمنة على الضفة الغربية.
وتظهر المفارقة بصورة أكثر قسوة عندما يقع الاحتكاك بين القوتين. ففي هذه اللحظة لا تبدو الأجهزة الفلسطينية كقوة سيادية مستقلة، وإنما كأجهزة تعمل ضمن مساحة محدودة يمكن للقوة المحتلة اختراقها متى قررت ذلك.
وتطرح الواقعة أيضاً سؤالاً حول معنى استمرار التنسيق الأمني في ظل هذه المعادلة. فإذا كان الهدف المعلن من بناء الأجهزة الأمنية هو حماية المواطنين والمؤسسات، فإن المواطن يريد أن يعرف أين تقف حدود هذا الدور عندما تدخل القوات الإسرائيلية إلى المناطق الفلسطينية.
كما تعيد الحادثة بالتالي فتح ملف “الدولة” الفلسطينية من زاوية مختلفة: ليست المشكلة في عدد الوزارات أو المؤسسات أو أفراد الشرطة، وإنما في امتلاك هذه المؤسسات القدرة الفعلية على فرض القانون وحماية المواطنين والأرض.
وتثبت التجربة أن السيادة لا تُعلن في البيانات ولا تُقاس بعدد المرات التي يقال فيها “نحن دولة”، بل تقاس بقدرة الدولة على حماية مؤسساتها ومواطنيها ومنع قوة أخرى من دخول أراضيها واحتجاز أفراد أجهزتها ومصادرة أسلحتهم.
وتضع حادثة مستشفى بيت لحم السلطة الفلسطينية أمام سؤال لا تستطيع التصريحات تجاوزه: إذا كان الاحتلال يستطيع أن يدخل حيث يشاء ويحتجز من يشاء ويصادر سلاح شرطي فلسطيني، فأين تبدأ السيادة الفلسطينية وأين تنتهي؟ يبدو أن الإجابة، على الأرض، أكثر وضوحاً من كل الخطابات الرسمية.





