تحليلات واراء

استطلاعات الرأي تضغط على سلطة رام الله وفتح وتزيد احتمال إلغاء الانتخابات

تضغط نتائج استطلاعات الرأي الفلسطينية الأخيرة على سلطة رام الله وحركة فتح، في ظل تراجع حاد في الثقة الشعبية بالسلطة وانكماش القاعدة الانتخابية لحركة فتح، بما يفتح الباب أمام مزيد من التساؤلات حول مصير الانتخابات التشريعية المقررة وفق المرسوم الرئاسي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وكشفت نتائج الجولة التاسعة من الباروميتر العربي، التي أجريت في الضفة الغربية وقطاع غزة، عن تحول واضح في المزاج السياسي الفلسطيني بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، مع تراجع مكانة فتح والسلطة وارتفاع الثقة بحركة حماس واتساع حالة العزوف عن القوى السياسية التقليدية.

وقال مدير مركز مسارات للأبحاث والدراسات في رام الله هاني المصري إن نتائج الاستطلاع تحدث “زلزالاً” داخل أروقة قيادة السلطة، معتبراً أن الاتجاهات الجديدة في الرأي العام ترفع احتمالات إلغاء الانتخابات إذا وجدت القيادة الفلسطينية أنها لن تحقق النتائج التي تريدها.

وأضاف المصري، أن الاتجاهات التي أظهرها الاستطلاع تكرس حالة رفض متزايدة لحركة فتح والرئيس محمود عباس، وأن غياب الحلول على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية يبدد ما تبقى من الثقة الشعبية بالسلطة.

وتظهر الأرقام بالفعل أزمة عميقة في علاقة الفلسطينيين بالسلطة. فقد قال 77% من سكان الضفة الغربية إنهم لا يثقون بالرئيس محمود عباس، بينما بلغت نسبة عدم الثقة بحكومة رام الله 76%، مقابل 23% فقط قالوا إنهم يثقون بها.

وسجلت حركة فتح بدورها تراجعاً حاداً في الضفة الغربية، إذ انخفضت قاعدتها من 23% في الجولة السابقة إلى 14% في الجولة التاسعة.

وفي المقابل ارتفعت نسبة من يعتبرون حركة حماس الأقرب إليهم من 9% إلى 17% في الضفة الغربية، بينما بقيت في قطاع غزة عند نحو 22%.

شعبية حماس أكثر من شعبية فتح

تكشف نتائج الانتخابات التشريعية الافتراضية عن مشهد أكثر تعقيداً. فقد حصلت قائمة “التغيير والإصلاح” التابعة لحماس على 19% من إجمالي نوايا التصويت، مقابل 16% لفتح، فيما قال 41% إنهم لن يشاركوا في الانتخابات.

وعند احتساب الذين يقولون إنهم سيشاركون فعلياً، ترتفع حصة قائمة حماس إلى نحو 33%، بينما تصل حصة فتح إلى 27%.

وتظهر الأزمة كذلك في سباق الرئاسة الافتراضي، إذ تصدر مروان البرغوثي النتائج في قطاع غزة بنسبة 30%، متقدماً على خالد مشعل بنسبة 22%، فيما حصل محمود عباس على 13%.

وتتزامن هذه النتائج مع تراجع ثقة الفلسطينيين بالحريات والمؤسسات. ولم يقل سوى 16% من سكان الضفة الغربية إن حرية التعبير مضمونة، بينما قال 13% فقط إن الحق في التظاهر مضمون، في وقت ارتفع فيه تأييد فكرة وجود زعيم قوي قادر على فرض الاستقرار من 41% إلى 51%.

وتكشف الأرقام بذلك عن مفارقة سياسية لافتة: ما زال 60% يفضلون الديمقراطية كنظام حكم، لكن نصف المستطلعين تقريباً باتوا أكثر استعداداً لتأييد قيادة قوية حتى على حساب بعض الممارسات الديمقراطية، في ظل تراجع الثقة بالمؤسسات القائمة.

احتمالات تأجيل الانتخابات التشريعية

يرى المصري، أن احتمال تأجيل الانتخابات أو إلغائها يرتفع كلما اتضح لقيادة رام الله أن النتائج قد لا تكون في صالحها، مع إمكانية استخدام الاحتلال الإسرائيلي ذريعة لتبرير تعطيل الاستحقاق الانتخابي.

ويعزز التاريخ الانتخابي الفلسطيني هذا التخوف من قدرة الاحتلال على التأثير في العملية، إذ سبق أن أشار المصري إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تستطيع التدخل في مراحل الانتخابات، من خلال اعتقال مرشحين أو منع الدعاية والتنقل أو التدخل في القدس، بل ومصادرة النتائج إذا جاءت مخالفة لمصالحها.

لكن تحويل الاحتلال إلى ذريعة دائمة لإلغاء الانتخابات يضع السلطة أمام مأزق سياسي آخر. فإذا كانت الانتخابات لا يمكن إجراؤها إلا عندما تضمن السلطة نتائجها أو تحصل على ضمانات بعدم التدخل الإسرائيلي، فإن الاستحقاق الديمقراطي يتحول عملياً إلى عملية مشروطة بإرادة السلطة والاحتلال معاً.

وتضع نتائج الاستطلاعات قيادة رام الله أمام خيارين واضحين: المضي في الانتخابات رغم احتمال الخسارة وتراجع شعبية فتح، أو البحث عن مبررات لتأجيلها، وهو ما سيعمق أزمة الثقة القائمة أصلاً.

وتزداد حساسية القرار لأن إلغاء الانتخابات لن يعالج أزمة السلطة، بل قد يوسعها، خصوصاً أن الاستطلاع أظهر أن الفلسطينيين يريدون تغييراً سياسياً واضحاً، فيما تراجعت ثقتهم بعباس والحكومة والحريات العامة.

يشار إلى أن عباس كان قرر إلغاء الانتخابات التشريعية والرئاسية التي كانت مقررة عام 2021، وبرر ذلك في حينه بمنع الاحتلال إجرائها في القدس المحتلة، وسط تأكيدات أن التأجيل نابع من مخاوف جسيمة بخسارة مذلة لفتح في الانتخابات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى