منظمة التحرير.. الحاضر الغائب في مواجهة أخطر مخطط لتصفية قضية اللاجئين

تشهد قضية اللاجئين الفلسطينيين أخطر تحول سياسي منذ إنشاء وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عام 1949، مع انتقال الضغوط الأمريكية والإسرائيلية من محاولات تقليص دور الوكالة وإضعافها إلى خطوات سياسية وتشريعية تستهدف إنهاء وجودها بالكامل وفرض بدائل عملية لها على الأرض.
ويثير الاستمرار المنهجي في تنفيذ المخطط ضد أونروا وقضية اللاجئين تساؤلات متزايدة عن غياب منظمة التحرير الفلسطينية عن قيادة مواجهة منظمة لهذا المسار، رغم أنها الجهة التي يفترض أن تحمل المسؤولية السياسية الأولى عن ملف اللاجئين.
وتتزامن هذه التطورات مع غياب أي استراتيجية فلسطينية معلنة لمواجهة التحركات الجارية، سواء على المستوى القانوني أو الدبلوماسي أو البرلماني أو الشعبي، في وقت تتقدم فيه مشاريع أمريكية وإسرائيلية لإعادة تشكيل ملف اللاجئين الفلسطينيين وإنهاء المرجعية الدولية التي تمثلها الأونروا.
ويبرز في هذا السياق سؤال يصفه مسؤولون وخبراء سابقون في الوكالة بأنه الأكثر إلحاحاً: من يقود اليوم المعركة السياسية للدفاع عن الأونروا؟ وأين دور اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ودائرة شؤون اللاجئين، والسفارات الفلسطينية، واللجان الشعبية، ومؤسسات الشتات، في مواجهة مشروع يستهدف أحد أهم المرتكزات السياسية لقضية اللاجئين؟
من استهداف التمويل إلى استهداف الوجود
لم تبدأ الضغوط على الأونروا مع حرب الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة، بل جاءت ضمن مسار متدرج امتد لسنوات، قابله تهميش رسمي شبه كامل من قيادة منظمة التحرير للملف.
ففي عام 2018 أوقفت الإدارة الأمريكية الأولى للرئيس دونالد ترامب التمويل المخصص للأونروا، في أول خطوة عملية استهدفت الوكالة باعتبارها جزءاً من ملف اللاجئين الفلسطينيين، قبل أن تستأنف إدارة جو بايدن جزءاً من التمويل لاحقاً.
ودفعت الحرب على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 هذا المسار إلى مرحلة جديدة، إذ تحولت الاتهامات الإسرائيلية ضد الوكالة إلى حملة سياسية واسعة استهدفت شرعيتها الدولية، ترافقت مع تعليق تمويل عدد من الدول المانحة، وتزايد الدعوات داخل الولايات المتحدة لإيجاد بديل دائم للأونروا.
واليوم، لم يعد النقاش داخل دوائر القرار الأمريكية يدور حول إصلاح الوكالة أو تعديل آليات عملها، وإنما حول مستقبل وجودها نفسه وكيفية فرض بدائل لها.
مشروع أمريكي لمرحلة “ما بعد الأونروا”
يعكس مشروع القانون الأمريكي HR9680، المعروض أمام الكونغرس تحت عنوان “استبدال الأونروا بقانون المساعدة الإنسانية الحقيقية”، هذا التحول بصورة واضحة، إذ يطالب وزارة الخارجية الأمريكية بإعداد ترتيبات لنقل مهام الوكالة إلى جهات أخرى، بما يمهد عملياً لمرحلة ما بعد الأونروا.
ويفتح المشروع الباب أمام إعادة تشكيل ملف اللاجئين الفلسطينيين بصورة كاملة، عبر إنهاء عمليات الوكالة في مناطق عملها الخمس، وتفكيك مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وتشجيع إعادة توطين أو دمج اللاجئين الفلسطينيين في دول اللجوء، بعد تدمير معظم مخيمات قطاع غزة.
وقد حذر المتحدث السابق باسم الأونروا سامي مشعشع، من هذه الخطوات تمثل انتقالاً من إدارة أزمة الأونروا إلى محاولة إنهاء المرجعية السياسية التي تمثلها الوكالة بالنسبة لقضية اللاجئين.
ثلاث جبهات لتفكيك أونروا
ترافق المسار السياسي مع تطورات ميدانية غير مسبوقة للدفع باتجاه المضي قدما في مخطط تفكيك وكالة أونروا.
ففي قطاع غزة تعرضت منشآت الأونروا ومدارسها ومراكزها الصحية ومستودعاتها للاستهداف خلال الحرب، فيما قُتل مئات من موظفي الوكالة أثناء أداء مهامهم الإنسانية، في أكبر خسارة تتعرض لها وكالة تابعة للأمم المتحدة في نزاع واحد.
وتشير بيانات الأونروا إلى استشهاد مئات العاملين لديها وتضرر معظم منشآتها في القطاع.
وفي القدس الشرقية المحتلة، تعرض المقر التاريخي للأونروا لعمليات اقتحام ثم هدم أجزاء منه مطلع عام 2026، في خطوة وصفتها الأمم المتحدة بأنها انتهاك غير مسبوق لحرمة مقارها الدولية.
أما في شمال الضفة الغربية، فقد أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس إلى تهجير عشرات الآلاف من اللاجئين مجدداً، في تطور أعاد قضية المخيمات إلى واجهة الصراع.
ويعتبر مراقبون أن هذه المسارات الثلاثة ــ الاستهداف الميداني، والتشريعات الأمريكية، والضغوط السياسية ــ تعمل بصورة متوازية لإضعاف الوكالة وتهيئة الأرضية لاستبدالها.
لماذا تستهدف الأونروا؟
لا ترتبط أهمية الأونروا بالخدمات التعليمية أو الصحية أو الإغاثية التي تقدمها فقط، إذ يمكن لأي مؤسسة دولية أخرى نظرياً تقديم هذه الخدمات.
لكن الوكالة، منذ تأسيسها، بقيت التعبير المؤسسي الوحيد عن استمرار الاعتراف الدولي بأن قضية اللاجئين الفلسطينيين لم تجد حلاً سياسياً بعد، وأن المجتمع الدولي لا يزال يتحمل مسؤولية تجاه ملايين اللاجئين إلى حين تنفيذ تسوية عادلة.
ولهذا يرى كثير من المختصين أن إنهاء الأونروا لا يعني فقط نقل مدارس أو عيادات إلى جهة أخرى، بل إزالة آخر مؤسسة أممية تربط قضية اللاجئين بالحل السياسي.
كما يحذرون من أن أرشيف الوكالة، الذي يضم ملايين الوثائق المتعلقة بالقرى الفلسطينية وملفات الملكية وسجلات اللاجئين عبر الأجيال، يمثل جزءاً من الذاكرة السياسية والقانونية للقضية الفلسطينية، وأن فقدانه أو نقله إلى مؤسسة بديلة ستكون له آثار بعيدة المدى.
أين منظمة التحرير؟
في مقابل هذا التصعيد، يلفت مراقبون إلى الغياب الواضح للمؤسسات الفلسطينية التي يفترض أن تقود المواجهة.
فلا توجد حملة دبلوماسية دولية معلنة، ولا تحرك قانوني واسع، ولا خطة برلمانية لمخاطبة العواصم الغربية، كما لا يظهر تنسيق مؤسسي بين منظمة التحرير الفلسطينية ودائرة شؤون اللاجئين والسفارات الفلسطينية والجاليات في الخارج لمواجهة هذا المسار.
ويقول مشعشع إن هذا الغياب يثير تساؤلات بشأن قدرة منظمة التحرير على الحفاظ على دورها ممثلاً سياسياً للاجئين الفلسطينيين، في وقت تنتقل فيه المعركة من الدفاع عن تمويل الأونروا إلى الدفاع عن وجودها ذاته.
ويحذر من أن القضية لم تعد تتعلق بمستقبل وكالة أممية أو بحجم ميزانيتها، بل بمستقبل الاعتراف الدولي بقضية اللاجئين الفلسطينيين نفسها، في ظل خطوات متسارعة قد تفرض واقعاً سياسياً جديداً إذا استمرت من دون مواجهة فلسطينية منظمة.





