دلائل فاضحة على ارتباك شديد لدى فريق عباس في التخطيط للعمليات الانتخابية

كشفت التطورات الأخيرة المرتبطة بحزمة التشريعات والأنظمة الانتخابية التي أقرها رئيس سلطة رام الله محمود عباس عن مؤشرات متزايدة على وجود ارتباك قانوني وسياسي شديد في إدارة ملف الانتخابات الذي يراد هندسته بناء على ضغوط خارجية ووفق مقاييس خدمة صراع النفوذ داخل حركة “فتح”.
يأتي ذلك بعد ظهور تناقضات وثغرات دستورية بين التعديلات الأخيرة الخاصة بالمجلس التشريعي والمجلس الوطني ومنصبي رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، الأمر الذي يثير تساؤلات واسعة بشأن مدى جاهزية الإطار القانوني الذي يسعى فريق عباس إلى فرضه خلال المرحلة المقبلة.
ويستند هذا التقييم إلى قراءة قانونية قدمها الباحث وأستاذ القانون الدستوري الفلسطيني الدكتور رشاد توام، الذي رأى أن ما يجري يعكس حالة من التخبط في التخطيط للعمليات الانتخابية.
وأشار توام إلى تعدد المشاريع المقدمة من رام الله تحت عنوان “الإصلاحات”، بدءاً من مشروع الدستور المؤقت، مروراً بمشروع قانون الأحزاب، وصولاً إلى نظام انتخاب المجلس الوطني والتعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات العامة.
ويبرز أن الإعداد لانتخابات فلسطينية يأتي في ظل ضغوط عربية وخارجية على عباس (90 عاما) الذي عطل إجراء أي انتخابات عامة منذ الانتخابات التشريعية التي فازت فيها حركة “حماس” عام 2006، علما أنه يتولى رئاسة السلطة منذ عام 2005 من دون أي انتخابات جديدة.
محمود عباس ويكيبيديا
بحسب توام، بدأت مؤشرات هذا الارتباك بالظهور مع تسريب نسخة من نظام انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني مطلع يونيو/حزيران الماضي، حيث احتوت النسخة الأولى على غموض قانوني واضح، خاصة في المادة الثالثة، الأمر الذي دفع إلى تداول معلومات عن تجميدها وإعادة النظر في نصوصها بعد اكتشاف الإشكاليات التي تضمنتها.
ولم تمض سوى أيام حتى نشرت الجريدة الرسمية الفلسطينية في عددها الممتاز رقم (36) الصادر في 18 يونيو/حزيران 2026 نسخة معدلة من النظام، أزيلت منها بعض مواطن الغموض.
إلا أن المفارقة، بحسب الباحث القانوني، أن النسخة الجديدة حملت التاريخ نفسه الذي حملته النسخة الأولى، رغم إدخال تعديلات جوهرية عليها، وهو ما اعتبره دليلاً إضافياً على الارتباك الذي رافق إعداد النظام وإقراره.
ويشير النظام الجديد إلى أن المجلس الوطني الفلسطيني سيتكون من 350 عضواً، بينهم 200 عضو يمثلون الأراضي الفلسطينية ويصبحون أعضاء في المجلس الوطني بصورة تلقائية بعد انتخابهم للمجلس التشريعي، فيما يمثل 150 عضواً فلسطينيي الشتات، وهي الفئة التي ينظم النظام الجديد آلية اختيارها.
ويرى توام أن هذه الصيغة تكرس عملياً الفصل بين الداخل والخارج في آلية تشكيل المجلس الوطني، إذ إن أعضاء الداخل يدخلون المجلس الوطني تلقائياً عبر المجلس التشريعي، بينما يخضع أعضاء الشتات لنظام مختلف، في وقت تشير التقديرات إلى أن عدداً كبيراً منهم سيتم اختياره بالتعيين في ظل صعوبة إجراء انتخابات شاملة في أماكن وجودهم.
الانتخابات الفلسطينية العامة
يتزامن ذلك مع تعديل آخر على قانون الانتخابات العامة رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 إلى 200 عضو، بما يتوافق مع العدد المخصص لتمثيل الداخل في المجلس الوطني، وهو ما اعتبره توام جزءاً من إعادة هندسة البنية الانتخابية الجديدة.
غير أن أخطر ما كشفته القراءة القانونية يتمثل في ظهور تعارض مباشر بين النصوص المنظمة لانتخاب رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بما يجعل الجمع بين المنصبين شبه مستحيل وفق القوانين السارية حالياً.
فبحسب قانون الانتخابات العامة، يشترط في المرشح لرئاسة السلطة أن يكون مقيماً إقامة دائمة داخل الأراضي الفلسطينية، بينما ينص النظام الأساسي لمنظمة التحرير على أن رئيس اللجنة التنفيذية يُنتخب من بين أعضاء اللجنة التنفيذية، التي يختارها المجلس الوطني من بين أعضائه.
وبذلك يصبح أي مرشح لرئاسة اللجنة التنفيذية ملزماً بأن يكون عضواً في المجلس الوطني أولاً، وهو ما يتحقق بالنسبة لمرشحي الداخل عبر انتخابهم لعضوية المجلس التشريعي، باعتبار أن عضوية المجلس الوطني تترتب حكماً على عضوية المجلس التشريعي.
لكن توام يوضح أن المشكلة تبدأ عند الترشح لرئاسة السلطة، إذ يحظر قانون الانتخابات العامة الجمع بين عضوية المجلس التشريعي والترشح لمنصب رئيس السلطة، ويلزم عضو المجلس الراغب في الترشح بتقديم استقالته مسبقاً.
وتترتب على هذه الاستقالة نتيجة قانونية أخرى أكثر تعقيداً، إذ يفقد المستقيل عضويته في المجلس التشريعي، وبالتالي يفقد تلقائياً عضويته الحكمية في المجلس الوطني، ما يعني أنه لن يعود مؤهلاً لعضوية اللجنة التنفيذية أو لرئاستها.
وفي المقابل، لا يستطيع مرشح من داخل الأراضي الفلسطينية الالتفاف على هذه المعضلة بالترشح عن مقاعد الشتات، لأن النظام الجديد يشترط أن يكون المرشح مقيماً في المنطقة الانتخابية التي يترشح عنها، وهو شرط يمنع عملياً انتقال مرشح الداخل إلى قوائم الخارج.
ويرى توام أن النتيجة القانونية لهذا التشابك تتمثل في استحالة الجمع بين رئاسة السلطة ورئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وفق المنظومة التشريعية الحالية، إذ سيكون رئيس السلطة، بحكم القانون، مقيماً داخل الأراضي الفلسطينية، بينما سيصبح رئيس اللجنة التنفيذية، بحكم القيود الجديدة، من فلسطينيي الخارج.
ويطرح الباحث القانوني في ختام تحليله تساؤلاً محورياً حول ما إذا كان فريق عباس يقصد بالفعل الوصول إلى هذه النتيجة من خلال إعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني، أم أن الأمر يعكس غياب التنسيق القانوني بين الجهات التي أعدت التشريعات، وعدم الانتباه إلى الثغرات التي خلقتها التعديلات الأخيرة.
وتضيف هذه الإشكاليات بعداً جديداً إلى الجدل الدائر حول مشروع إعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني، في ظل اتهامات متزايدة بأن التعديلات المتلاحقة صدرت بصورة متسارعة ومن دون مراجعة قانونية كافية، الأمر الذي أدى إلى ظهور تناقضات داخل المنظومة التشريعية نفسها، وفاقم الشكوكا بشأن جدية سلطة رام الله بإدارة أي عملية انتخابية مستقبلية وفق إطار قانوني متماسك ومستقر.





