خفايا الإصرار على نزع سلاح المقاومة وإبقاء الاحتلال القوة المسلحة الوحيدة

كشفت التسريبات المتلاحقة بشأن الترتيبات المطروحة لمستقبل قطاع غزة عن مشروع يتجاوز الشعارات المعلنة حول وقف الحرب وإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار، نحو إعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي والديموغرافي في القطاع، بما يضمن نزع سلاح المقاومة الفلسطينية وإبقاء الجيش الإسرائيلي القوة العسكرية المسلحة الوحيدة القادرة على فرض إرادتها على الأرض.
وبحسب التسريبات المتعلقة باجتماع قبرص الذي انعقد قبل أيام، فإن ما يسمى بـ”قوة الاستقرار الدولية” المقترحة للعمل في قطاع غزة لن تكون قوة مسلحة، بل ستعمل بصلاحيات وأدوات محدودة، فيما يجري الحديث بالتوازي عن تشكيل حرس مدني فلسطيني غير مسلح يتولى بعض المهام الداخلية.
وتعني هذه الترتيبات، عملياً، الإبقاء على جيش الاحتلال الإسرائيلي القوة المسلحة الوحيدة في قطاع غزة ومحيطه، رغم مسؤوليته عن الحرب التي أدت إلى تدمير مساحات واسعة من القطاع وسقوط نحو 74 ألف فلسطيني، فضلاً عن إصابة عشرات الآلاف وتهجير الغالبية الساحقة من السكان وتدمير البنية التحتية والمنشآت الصحية والتعليمية.
ويثير هذا التصور تساؤلات جوهرية بشأن حقيقة المشروع المطروح لمرحلة ما بعد الحرب، إذ يجري الإصرار على تجريد الفلسطينيين من أي قوة مسلحة، في الوقت الذي لا تتضمن فيه الخطط المتداولة آليات حقيقية لنزع سلاح الاحتلال أو ضمان انسحابه الكامل ومنعه من مواصلة عملياته العسكرية.
حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة
ويأتي ذلك رغم الاتهامات الدولية المتصاعدة لإسرائيل بارتكاب انتهاكات واسعة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال عملياتها العسكرية في القطاع، والتي استمرت بدعم سياسي وعسكري ومالي قدمته الولايات المتحدة ودول غربية، بينها ألمانيا وبريطانيا.
وتكشف التسريبات عن تناول رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير والدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف مسألة نقل السكان الفلسطينيين إلى ما تسمى “المناطق الآمنة”، ومن بينها منطقة تل السلطان القريبة من الحدود المصرية.
ويعيد طرح نقل السكان إلى مناطق جديدة المخاوف من استخدام الظروف الإنسانية والأمنية لفرض موجات إضافية من النزوح على الفلسطينيين، بعدما تعرض سكان القطاع خلال الحرب لعمليات تهجير متكررة، واضطر مئات الآلاف منهم إلى الانتقال عشرات المرات بحثاً عن أماكن للإيواء.
وتطرح هذه الخطط تساؤلات بشأن أسباب مطالبة المدنيين مجدداً بمغادرة أماكن وجودهم، بدلاً من الضغط من أجل انسحاب الجيش الإسرائيلي وإنهاء وجوده العسكري في القطاع، خصوصاً مع الحديث عن منح “مجلس السلام” المقترح صلاحيات واسعة تشمل السيطرة على سلاسل التوريد وإدارة المساعدات والمواد الأساسية ومختلف جوانب الحياة المدنية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المشروع المقترح تحت واجهة إدارة مرحلة انتقالية أو إعادة إعمار القطاع، يتضمن إقامة منظومة سياسية وأمنية واقتصادية تمنح جهات خارجية قدرة واسعة على التحكم بمستقبل غزة وسكانها.
ويحذر مراقبون من أن السيطرة على المساعدات وسلاسل التوريد والمواد الغذائية والدوائية ومصادر المياه قد تتحول إلى أداة لإدارة السكان والضغط عليهم، خصوصاً في ظل استمرار عمليات القتل اليومية ونقص الغذاء والدواء ومياه الشرب وتدمير مقومات الحياة الأساسية.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في طرح مشاريع تهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى مغادرة قطاع غزة، بعدما انتقلت الخطط الإسرائيلية من استخدام مصطلح “الهجرة الطوعية” إلى الحديث عن ما يسمى “حرية التنقل”.
التهجير رأس حربة المخطط الإسرائيلي
بحسب المراقبين فإن تغيير المصطلحات لا يغير جوهر السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تقليص عدد السكان الفلسطينيين في القطاع وتهيئة الظروف لدفعهم إلى الهجرة، سواء عبر استمرار العمليات العسكرية أو تدمير البنية التحتية أو فرض ظروف معيشية تجعل استمرار الحياة في غزة شبه مستحيل.
وفي هذا السياق، يتحول شعار “نزع سلاح المقاومة” إلى عنوان سياسي وأمني واسع لتبرير ترتيبات تستهدف إعادة تشكيل القطاع بالكامل، في حين تكشف الوقائع أن المشروع المطروح يتجاوز مسألة سلاح المقاومة إلى التحكم بالسكان والأرض والموارد ومستقبل النظام السياسي في غزة.
كما تبرز مفارقة أساسية تتمثل في مطالبة الفلسطينيين بالتخلي عن السلاح، بينما يجري ضمان استمرار التفوق العسكري الإسرائيلي وعدم فرض قيود حقيقية على الجيش الذي نفذ العمليات العسكرية الواسعة في القطاع.
وتشير التطورات إلى أن الخلافات المعلنة بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي بشأن مستقبل غزة لا تتعلق بالأهداف الأساسية بقدر ارتباطها بترتيب الأولويات واختيار الوسائل والتكتيكات المناسبة لتنفيذها.
ففي الوقت الذي تواصل فيه دولة الاحتلال الضغط لإبعاد الفلسطينيين عن القطاع والحفاظ على حرية عمل جيشها، تعمل الإدارة الأميركية على بناء ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية تضمن إدارة غزة من خلال هياكل دولية وإقليمية جديدة، مع إبقاء القرار الفعلي بشأن مستقبل القطاع بعيداً عن إرادة سكانه.
وتكشف هذه المعطيات أن جوهر الصراع حول مستقبل غزة يتمثل في محاولة فرض واقع جديد تصبح فيه دولة الاحتلال القوة العسكرية الوحيدة، بينما يخضع الفلسطينيون لإدارة مدنية وأمنية محدودة الصلاحيات ومنزوعة السلاح، تحت إشراف قوى خارجية تتحكم بالمساعدات وإعادة الإعمار وحركة السكان والموارد.
وبذلك، تتحول الدعوات المتكررة إلى نزع سلاح المقاومة إلى جزء من مشروع أوسع يهدف إلى إعادة هندسة قطاع غزة سياسياً وأمنياً وديموغرافياً، مع استمرار الاحتلال في الاحتفاظ بالقوة العسكرية وحرية التدخل، بما يهدد بإدامة الحرب وفتح الباب أمام استكمال عمليات التهجير والسيطرة على الأرض تحت عناوين جديدة تتحدث عن السلام والاستقرار وإعادة الإعمار.





