تحليلات واراء

قراءة في تزايد الأصوات داخل الاتحاد الأوروبي لوقف تمويل السلطة الفلسطينية

تتصاعد داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية أصوات تطالب بإعادة النظر في استمرار تمويل السلطة الفلسطينية، وسط تساؤلات متزايدة بشأن جدوى ضخ مليارات اليوروهات في مؤسسة تعاني أزمة شرعية مزمنة، واتهامات واسعة بالفساد والمحسوبية وضعف المؤسسات، فضلاً عن عجزها عن تحقيق تقدم سياسي أو حماية الفلسطينيين من التوسع الاستيطاني والسيطرة الإسرائيلية المتزايدة على الضفة الغربية.

وعلى مدى عقود، قدم الاتحاد الأوروبي نفسه بوصفه أحد أكبر الداعمين للشعب الفلسطيني، مستنداً بصورة رئيسية إلى المساعدات المالية المقدمة للسلطة الفلسطينية.

إلا أن استمرار تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والمؤسسية الفلسطينية بدأ يفتح نقاشاً أوروبياً حول ما إذا كانت هذه المساعدات تخدم بالفعل مصالح الفلسطينيين، أم أنها تحولت إلى أداة للحفاظ على سلطة ضعيفة تتولى إدارة السكان وتقديم الخدمات تحت الاحتلال.

وتعود جذور السياسة الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية إلى إعلان البندقية عام 1980، الذي رسخ دعم الدول الأوروبية لحل الدولتين وحقوق الفلسطينيين في تقرير المصير، قبل أن يعزز الاتحاد الأوروبي دوره خلال مفاوضات أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية باعتبارها هيئة إدارية انتقالية يفترض أن تمهد الطريق لإقامة دولة فلسطينية.

لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، لم تتحول السلطة إلى دولة مستقلة، بينما توسعت المستوطنات الإسرائيلية وتراجعت مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرة الفلسطينيين، وتحولت السلطة تدريجياً إلى جهاز إداري يعتمد بصورة كبيرة على المساعدات الخارجية ويعمل ضمن منظومة سياسية وأمنية واقتصادية تتحكم إسرائيل بمفاصلها الأساسية.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

منذ توقيع اتفاقية الشراكة المؤقتة بشأن التجارة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي والسلطة الفلسطينية عام 1997، أصبحت بروكسل الممول الخارجي الأكبر للسلطة، وقدمت مئات الملايين من اليوروهات سنوياً لدعم الميزانية والرواتب والبنية التحتية ومشاريع التنمية.

وتزايد الدعم الأوروبي بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ خصص الاتحاد الأوروبي 118 مليون يورو لدعم السلطة في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، قبل تقديم حزمة طارئة بقيمة 400 مليون يورو في يوليو/تموز 2024 على شكل منح وقروض مرتبطة بتنفيذ إصلاحات في مجالات الحكم ومكافحة الفساد والتعليم.

وفي أبريل/نيسان 2025، استضاف الاتحاد الأوروبي أول حوار سياسي رفيع المستوى مع السلطة في لوكسمبورغ، وأعلن برنامج دعم بقيمة 1.6 مليار يورو للفترة بين عامي 2025 و2027، يتضمن 620 مليون يورو دعماً مباشراً لميزانية السلطة، إلى جانب مساعدات إضافية قدمت عبر آليات أوروبية لتغطية الرواتب وسد العجز المالي.

غير أن استمرار الدعم المالي لم ينجح في وقف التدهور المتواصل في صورة السلطة الفلسطينية، التي تواجه واحدة من أعمق أزمات الشرعية منذ تأسيسها.

فالرئيس محمود عباس يتولى منصبه منذ عام 2005، رغم انتهاء ولايته القانونية قبل سنوات طويلة وعدم إجراء انتخابات رئاسية منذ ذلك الوقت، بينما تعطلت الانتخابات التشريعية منذ عام 2006، ما أدى إلى غياب المؤسسات المنتخبة وتعميق حالة الانفصال بين القيادة السياسية وقطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني.

شعبية محمود عباس والسلطة الفلسطينية

تظهر استطلاعات الرأي الفلسطينية حجم أزمة الثقة، إذ تشير نتائج متكررة إلى اعتقاد نحو 87% من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بوجود فساد داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية.

وتواجه السلطة اتهامات بالمحسوبية والزبائنية وسوء إدارة الأموال العامة وقمع المعارضة السياسية وتقييد الحريات، إضافة إلى ضعف المؤسسات الرقابية والقضائية وعدم وجود آليات فعالة للمحاسبة وتداول السلطة.

ويزيد استمرار التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال من الانتقادات الموجهة إلى السلطة، كونها تحولت إلى جهاز إداري وأمني يتولى إدارة السكان الفلسطينيين ومنع انفجار الأوضاع في الضفة الغربية، بينما تحتفظ تل أبيب بالسيطرة الفعلية على الحدود والأراضي والموارد والحركة والاقتصاد.

وفي ظل استمرار الضم الإسرائيلي الفعلي لأجزاء واسعة من الضفة الغربية والتوسع الاستيطاني، تتزايد التساؤلات الأوروبية بشأن مصير مليارات اليوروهات التي قدمها دافعو الضرائب الأوروبيون للسلطة خلال العقود الماضية، دون أن يؤدي ذلك إلى بناء دولة مستقلة أو مؤسسات سياسية تتمتع بالشرعية والاستقلال.

كما أثارت التعديلات التي أجرتها السلطة على المناهج الدراسية، استجابة لشروط وضغوط دولية مرتبطة بالمساعدات المالية، انتقادات جديدة بشأن مدى استقلال القرار السياسي الفلسطيني، بعدما شملت التغييرات حذف أو تعديل محتوى يتعلق بالأسرى والاحتلال والتاريخ الوطني الفلسطيني.

ويعتقد منتقدون أوروبيون أن استمرار تمويل السلطة دون شروط صارمة للإصلاح السياسي والمؤسسي ومكافحة الفساد يعني عملياً تمويل منظومة عاجزة عن تمثيل الفلسطينيين أو حماية مصالحهم، ويسهم في إطالة عمر قيادة فقدت جزءاً كبيراً من شرعيتها الشعبية.

وتدفع هذه التطورات شخصيات سياسية وحقوقية أوروبية إلى المطالبة بإعادة تقييم العلاقة مع السلطة الفلسطينية، وفرض رقابة أكثر صرامة على الأموال المقدمة لها، وربط استمرار المساعدات بإجراء انتخابات وإصلاح القضاء وتعزيز الشفافية واستقلال المؤسسات ومحاسبة المسؤولين عن الفساد والانتهاكات.

وفي المقابل، يحذر مسؤولون أوروبيون من أن وقف التمويل بصورة مفاجئة قد يؤدي إلى انهيار السلطة الفلسطينية واندلاع فراغ أمني وسياسي واسع في الضفة الغربية، وهو ما يفسر استمرار الاتحاد الأوروبي في تقديم الدعم رغم الاعتراف المتزايد بضعف السلطة وفشلها في تنفيذ إصلاحات جوهرية.

وبين المخاوف من انهيار السلطة والشكوك المتزايدة بشأن جدوى استمرار تمويلها، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام مراجعة ضرورية لسياسة استمرت أكثر من ثلاثة عقود دون تحقيق أهدافها المعلنة.

وتكشف النقاشات المتصاعدة أن استمرار ضخ الأموال في مؤسسة تعاني الفساد وضعف الشرعية وتآكل المؤسسات لم يعد خياراً يمكن الدفاع عنه بسهولة أمام الرأي العام الأوروبي، ما يفتح الباب أمام مطالب متزايدة بوقف التمويل أو إعادة توجيهه مباشرة إلى المجتمع الفلسطيني، وربطه بإصلاح سياسي شامل وظهور قيادة فلسطينية منتخبة وقادرة على تمثيل الفلسطينيين ومواجهة التحديات السياسية التي تهدد مستقبلهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى