تحليلات واراء

أكاديمي فلسطيني بارز: هندسة عباس للعملية الانتخابية لا تقود إلى أي إصلاح حقيقي

حذر الأكاديمي والكاتب الفلسطيني البارز خالد الحروب من أن العملية الانتخابية التي يجري الترويج لها من سلطة رام الله لن تقود بصيغتها الحالية إلى إصلاح سياسي حقيقي، وأن “الهندسة” التي يفرضها محمود عباس تهدف إلى حماية النظام القائم وتعزيز شرعيته، فيما تبقى احتمالات إجراء الانتخابات نفسها ضئيلة إن لم تكن معدومة.

وأكد الحروب، في مقال بعنوان “الانتخابات الفلسطينية لن تحدُث: إشغال وتضييع للوقت!”، أن الانتخابات التشريعية والرئاسية تمثل استحقاقاً وطنياً وحقاً أصيلاً للشعب الفلسطيني تأخر لعقود، لكنه رأى أن توقيتها الحالي يطرح إشكاليات سياسية ووطنية، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة وتصاعد التوسع الاستيطاني والتهويد في الضفة الغربية والقدس.

وشدد على أن الأولويات الوطنية الملحة يجب أن تتركز خلال المرحلة الحالية على مواجهة ما يجري في غزة والتصدي للوقائع التي يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى فرضها في الضفة الغربية والقدس، محذراً من أن الانشغال بالانتخابات قد يؤدي إلى استنزاف الجهد الوطني وتحويل الاهتمام بعيداً عن الملفات الأكثر إلحاحاً.

تآكل شرعية سلطة رام الله

رأى الحروب أن تفاصيل العملية الانتخابية، كما يجري إعدادها، لا تشير إلى إصلاح حقيقي، بل إلى محاولة “شرعنة الوضع القائم”، لافتا إلى أن السلطة والرئاسة تعانيان منذ سنوات تآكلاً في الشرعية والتمثيل والمرجعية الوطنية والانتخابية.

وأشار إلى أن مصدر شرعية السلطة تطور خلال العقدين الماضيين ليصبح مرتبطاً، بدرجة كبيرة، بالدور الوظيفي الذي تؤديه ضمن المعادلات الإسرائيلية والدولية ولا سيما الأميركية، معتبراً أن استمرار السلطة أو بقائها أصبح مرهوناً بهذا الدور وبالشرعية الخارجية أكثر من ارتباطه بشرعية وطنية انتخابية.

ولفت الحروب إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي رغم استمرار حاجتها إلى بقاء السلطة، تفضل إبقاءها في حالة من الهشاشة وعلى “حافة الانهيار”، مع استمرار التحكم في مواردها المالية عبر أموال المقاصة وسياسة الخنق المالي.

وأوضح أن إجراء انتخابات تشريعية، حتى في ظل ترتيبات تضمن عدم حدوث تغيير جذري في النظام السياسي، قد يمنح السلطة قدراً جديداً من الشرعية الوطنية، وهو ما قد يفتح المجال أمام تحرر جزئي من القيود التي يفرضها الدور الوظيفي القائم.

ونبه إلى أن تل أبيب لا ترغب في السماح بهذا التحول، لأن الانتخابات في جوهرها تعيد التأكيد على وجود كيان وطني فلسطيني وتربط ولو رمزياً، بين الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، وهي دلالات سياسية ووطنية ترفضها الحكومة الإسرائيلية.

استبعاد إجراء الانتخابات الفلسطينية

رجح الحروب أن يشكل الموقف الإسرائيلي أحد الأسباب الرئيسية التي قد تحول دون إجراء الانتخابات، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن دولة الاحتلال قد لا تمانع استمرار النقاش والتحضير لها خلال الأشهر المقبلة، إذا كان ذلك سيؤدي إلى استنزاف الوقت الفلسطيني وإشغال القوى السياسية والمدنية.

ورأى أن “مهرجان الانتخابات”، بما يتضمنه من تشكيل قوائم وسجالات حول القوانين والمرشحين والتحالفات، قد يحول الانتباه عن التطورات في غزة والضفة الغربية، خصوصاً في مرحلة يسعى فيها اليمين الإسرائيلي إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.

وشدد على أن تأجيل الانتخابات عدة أشهر أو حتى لمدة عام لن يضيف ضرراً كبيراً إلى الواقع القائم، لكنه قد يساعد في إبقاء البوصلة الوطنية موجهة نحو مواجهة الاستيطان والتهويد والحرب على غزة.

وفي المقابل، أشار الحروب إلى أن الانتخابات تمثل حاجة حقيقية للرئاسة والسلطة من أجل معالجة أزمة الشرعية، لكنه اعتبر أن القرارات والمراسيم المنظمة للعملية تعكس في الوقت نفسه تخوفاً من نتائج قد تخرج عن المسار الذي تريده السلطة.

واستعاد تجربة انتخابات عام 2021، التي أُلغيت بعد أشهر من التحضير وتشكيل القوائم، رغم وجود تفاهمات بين حركتي فتح وحماس بشأن إجراء الانتخابات، مبرزا أن التوتر داخل حركة فتح وظهور قوائم منافسة إلى جانب ترشح القيادي الأسير مروان البرغوثي، أدى إلى تعقيد الحسابات ورفع مستوى المخاوف من نتائج لم تكن قيادة السلطة مستعدة لقبولها.

ورأى أن السيناريو نفسه قد يتكرر إذا تشكلت في الانتخابات المقبلة قائمة تضم تحالفاً وطنياً واسعاً بين حركة حماس وقوى فلسطينية أخرى، وتمكنت من تحقيق نسبة كبيرة من المقاعد تهدد توازنات النظام القائم، لافتا إلى أن السلطة ترغب في وجود معارضة انتخابية تعزز شرعيتها، لكنها لا تريد معارضة قادرة على تهديد النظام أو تغيير موازين القوى داخله.

وأشار إلى أن محاولة تقليل هذه المخاطر تظهر في “هندسة” العملية الانتخابية، عبر نسب التعيين في المجلسين الوطني والتشريعي، وإلزام المرشحين بالموافقة على البرنامج السياسي لمنظمة التحرير، إلى جانب آليات أخرى تهدف إلى ضبط مخرجات العملية مسبقاً.

وخلص الأكاديمي الفلسطيني إلى أن اجتماع الرفض الإسرائيلي لفكرة الانتخابات مع مخاوف السلطة من خروج نتائجها عن المسار الذي رسمته قيادة رام الله يجعل احتمال إجرائها ضعيفاً للغاية، مشدداً على أن الانتخابات تظل حقاً وطنياً أصيلاً للفلسطينيين، لكن تحويلها لعملية مضمونة النتائج أو استخدامها لتعزيز شرعية النظام القائم لن يحقق الإصلاح المطلوب، وقد يؤدي إلى مزيد من تشتيت الانتباه عن القضايا الوطنية الأكثر إلحاحاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى