معالجات اخبارية

التعيينات تسبق الانتخابات.. جدل حول دور رئاسة السلطة في إدارة الاستحقاق المقبل

قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع، تكون المؤسسات التي ستدير العملية الانتخابية قد قطعت شوطًا واسعًا في التشكيل وإعادة الترتيب، ما يفتح بابًا للنقاش حول حدود الدور رئاسة السلطة في تحديد قواعد الانتخابات والجهات المشرفة عليها.

ففي إطار التحضير للانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، صدرت خلال 2026 قرارات ومراسيم رئاسية طالت الإطار القانوني للعملية الانتخابية، إلى جانب تشكيل محكمة قضايا الانتخابات بمرسوم رئاسي.

وتقول لجنة الانتخابات المركزية إن هذه الإجراءات تأتي ضمن التحضيرات القانونية والفنية للانتخابات، وإنها ماضية في تنفيذ الاستحقاق في موعده.

لكن طبيعة هذه الترتيبات تثير تساؤلات سياسية وقانونية حول استقلال المؤسسات التي ستدير الانتخابات أو تنظر في الطعون المرتبطة بها، خصوصًا في ظل غياب مجلس تشريعي منتخب منذ سنوات، واتساع مساحة القرارات التي تُتخذ عبر المراسيم والقرارات بقوانين.

ولا تتوقف التغييرات عند تشكيل المؤسسات، إذ شهد قانون الانتخابات نفسه تعديلات متتالية خلال العام الجاري. وكان أحد التعديلات قد رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي، قبل أن يُعاد العدد إلى 132 عضوًا بموجب تعديل لاحق، مع الإبقاء على مجموعة من التعديلات الأخرى المتعلقة بالترشح وتمثيل المرأة ونسبة الحسم.

كما جرى في سبتمبر تعديل المدة القانونية للترشح من 12 إلى 18 يومًا، مع تأكيد لجنة الانتخابات أن موعد الاقتراع سيبقى في 28 نوفمبر.

الانتخابات التشريعية والمجلس الوطني

وفي ذات السياق، حذر الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل من تحويل هذه الملاحظات إلى سبب لتعطيل الاستحقاق الانتخابي.

وبحسب عوكل، فإن الانتخابات تظل وسيلة أساسية لتجديد الشرعية وإعادة فتح المجال السياسي، حتى وإن كانت غير قادرة وحدها على حل جميع أزمات النظام السياسي الفلسطيني.

ويرى أن الربط بين الانتخابات التشريعية والمجلس الوطني يمكن أن يوفر صلة بين المؤسسات المنتخبة داخل الأراضي الفلسطينية ومنظمة التحرير، شريطة أن تكون آليات تمثيل الفلسطينيين في الداخل والشتات واضحة وعادلة.

وتزداد أهمية هذه المسألة مع الانتخابات المرتقبة للمجلس الوطني، الذي ينص المرسوم الخاص به على آليات مختلفة للتمثيل، بينها الانتخاب المباشر حيثما أمكن، واللجوء إلى آليات أخرى في الحالات التي يتعذر فيها الاقتراع المباشر. وقد أقر المرسوم الرئاسي الخاص بانتخابات المجلس الوطني في فبراير 2026.

سياسة التعيينات

وفي المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي صالح لطفي أن المشكلة لا تبدأ يوم الانتخابات، وإنما قبل ذلك، عند تحديد القواعد وتشكيل المؤسسات التي ستشرف على العملية.

ويضع لطفي التعيينات والقرارات الرئاسية في سياق أوسع، معتبرًا أن حضور الرئاسة في تشكيل المؤسسات الانتخابية والقضائية، إلى جانب تعديل القواعد الانتخابية، يطرح سؤالًا حول مدى استقلال هذه المؤسسات عندما تكون السلطة السياسية نفسها جزءًا من المشهد الانتخابي.

ولا يعني ذلك، وفق هذا الطرح، أن نتائج الانتخابات محسومة سلفًا أو أن تزويرًا قد ثبت، وإنما يتعلق الأمر بضمانات العملية نفسها: من يضع القواعد؟ ومن يشرف على تطبيقها؟ ومن يفصل في النزاعات والطعون إذا نشب خلاف حول النتائج؟

ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ظل تشكيل محكمة قضايا الانتخابات بمرسوم رئاسي في سبتمبر الماضي، بعد المصادقة عليها من مجلس القضاء الأعلى، لتتولى النظر في القضايا والطعون المرتبطة بالانتخابات التشريعية.

ويبرز المجلس الوطني كأحد أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد الانتخابي، خصوصًا فيما يتعلق بتمثيل الفلسطينيين في الخارج وآليات اختيار المقاعد التي يتعذر فيها إجراء انتخابات مباشرة.

وهنا تظهر مخاوف من تفاوت درجة التفويض الشعبي بين أعضاء يصلون عبر الاقتراع المباشر وآخرين عبر هيئات انتخابية أو التوافق، وهي مسألة يرى منتقدون أنها تحتاج إلى قواعد معلنة وواضحة قبل بدء العملية، حتى لا تتحول آليات التمثيل إلى مساحة واسعة للتأثير السياسي.

وفي الوقت نفسه، فإن الانتخابات التشريعية نفسها ستكون جزءًا من معادلة المجلس الوطني، ما يجعل نتائج الاقتراع داخل الأراضي الفلسطينية مرتبطة بصورة أوسع بإعادة تشكيل المؤسسات السياسية الفلسطينية.

وبينما تؤكد لجنة الانتخابات المركزية استعدادها لتنفيذ الانتخابات التشريعية في موعدها، فإن الجدل الدائر لا يتعلق فقط بموعد الاقتراع، بل بالبيئة التي تسبقه والقواعد التي ستجري في ظلها العملية.

فنجاح الاستحقاق الانتخابي لن يرتبط بالوصول إلى يوم 28 نوفمبر فقط، وإنما بمدى وضوح قواعد الترشح والتمثيل، واستقلال الجهات المشرفة، ووجود ضمانات للتعامل مع الطعون والاعتراضات، إلى جانب مشاركة فلسطينية واسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس والشتات.

وبذلك، فإن المعركة السياسية لا تبدأ عند الصناديق، بل قبلها بكثير؛ عند صياغة القواعد وتحديد المؤسسات التي ستدير الانتخابات، وهي النقطة التي تجعل المراسيم والتعيينات الرئاسية جزءًا أساسيًا من النقاش حول الاستحقاق المقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى