تحليلات واراء

تصاعد العدوان على الأقصى يكشف مأساوية الواقع الفلسطيني وعجز قيادة سلطة رام الله

اعتبر الكاتب والباحث الفلسطيني أسامة أبو ارشيد أن مأساوية الواقع الفلسطيني باتت تتجسد في غياب قيادة فلسطينية قادرة على توحيد الصفوف وتعبئة الشارع وحشد الدعم الدولي المتنامي، معتبرًا أن المسجد الأقصى بات يمثل “وحدة قياس دقيقة” للحال الفلسطيني، في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية عليه وغياب رد فعل فلسطيني يوازي خطورة ما يجري.

وقال أبو ارشيد إن المسجد الأقصى لا يمثل فقط رمزًا دينيًا باعتباره أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وإنما يشكل أيضًا مدماكًا أساسيًا في الهوية الوطنية الفلسطينية، كما يجسد في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي جوهر الصراع وسيرورته وسردياته.

وأشار إلى أن متابعة الاقتحامات الإسرائيلية المتواصلة للمسجد الأقصى، والتي يقودها مستوطنون بمشاركة وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو، تكشف حجم التراجع في قدرة الفلسطينيين على التعبئة والمواجهة، معتبرًا أن استمرار هذه الاعتداءات من دون رد فعل فلسطيني قوي، فضلًا عن غياب مواقف عربية وإسلامية ذات معنى، يمثل مؤشرًا على أن “الوضع الفلسطيني ليس بخير أبداً”.

ولفت أبو ارشيد إلى أن المأساة في غزة والضفة الغربية لا تنفصل عن المشهد في القدس، مشيراً إلى أن قطاع غزة يعيش حربًا إسرائيلية مدمرة، بينما تتعرض الضفة الغربية، لعمليات تطهير عرقي واعتداءات متواصلة من الجيش والمستوطنين.

لكن الكاتب يرى أن تصاعد الاعتداءات على المسجد الأقصى يحمل دلالة إضافية، لأن الاعتداءات عليه كانت في مراحل سابقة تشكل شرارة لانفجارات شعبية واسعة في القدس والضفة وغزة، وهو ما لا يراه اليوم بالمستوى نفسه.

المسجد الأقصى ويكيبيديا

استعاد أبو ارشيد محطات تاريخية عدة، مشيرًا إلى هبة النفق التي اندلعت في سبتمبر 1996 بعد افتتاح سلطات الاحتلال الإسرائيلي ما سمته النفق الغربي أسفل المسجد الأقصى، واستمرت نحو ستة أشهر، وسقط خلالها مائة شهيد فلسطيني وأصيب أكثر من 1600 آخرين.

كما استحضر انتفاضة الأقصى التي اندلعت عام 2000 عقب اقتحام أرئيل شارون للمسجد الأقصى، معتبرًا أنها تحولت إلى انتفاضة فلسطينية واسعة استمرت نحو أربعة أعوام ونصف العام، وأسفرت عن آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين، فيما دفع عدد من أبرز الرموز الفلسطينية حياتهم خلالها.

وتوقف الكاتب كذلك عند معركة “سيف القدس” عام 2021، التي جاءت على خلفية الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، ثم عند أحداث السابع من أكتوبر 2023، مشيرًا إلى أن حركة حماس قدمت مواجهة مخططات تهويد الأقصى وتقسيمه زمانيًا ومكانيًا ضمن مبررات العملية.

وأكد أبو ارشيد أن هذه المحطات التاريخية تؤكد أن المسجد الأقصى كان دائمًا “صاعق تفجير شعبي فلسطيني” في مواجهة الاحتلال وانتهاكاته، لكنه رأى أن السنوات الثلاث الماضية كشفت تراجعًا واضحًا في قدرة الفلسطينيين المنهكين على التحشيد والتعبئة والتصدي للاعتداءات.

وقارن الكاتب بين ردود الفعل الفلسطينية على اقتحام شارون للأقصى عام 2000، وبين رد الفعل على اقتحام إيتمار بن غفير للمسجد في سبتمبر الماضي، مشيرًا إلى أن الأول أدى إلى اندلاع انتفاضة واسعة، بينما اقتصر رد سلطة رام الله على التنديد والمطالبة بتدخل عربي وإسلامي ودولي.

وذهب أبو ارشيد إلى أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في ضعف القدرة الشعبية على التحرك، بل في غياب قيادة تاريخية قادرة على جمع الفلسطينيين وتضميد جراحهم وتعبئة إمكانياتهم والاستفادة من الدعم الدولي المتزايد لهم، إلى جانب غياب استراتيجية واضحة لمواجهة المشروع الصهيوني.

ووجه بهذا الصدد انتقادًا مباشرًا لقيادة سلطة رام الله، مؤكداً أنها منشغلة بتعيين مجلس وطني فلسطيني جديد وفق معايير تقوم على الولاء لا الكفاءة، واحتمال ارتباط بعض الحسابات بما سماه “معركة وراثة الابن ياسر للأب محمود عباس”.

وختم أبو ارشيد توصيفه للمشهد بعبارة تختزل حجم الأزمة الفلسطينية، معتبرًا أن الفلسطينيين يعيشون مأساة مزدوجة: احتلال يواصل فرض وقائعه على الأرض، وقيادة عاجزة عن تحويل الغضب والدعم الدولي إلى فعل سياسي وشعبي منظم. وقال إن “المسجد الأقصى، بل فلسطين كلها، لهما ربٌّ يحميهما”، واصفًا ذلك بأنه “لسان الحال الفلسطيني الكئيب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى