رفح.. لماذا تتحرك الإمارات وحدها خلف الخط الأصفر؟

سلط البيان الرسمي الصادر قبل أيام عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن مشروع رفح الضوء مجددًا على طبيعة الدور الإماراتي في إنشاء مخيمات داخل قطاع غزة، بعدما نسب المشروع بصورة مباشرة وكاملة إلى أبوظبي.
وقال مكتب نتنياهو في بيانه: “هذا مشروع تجريبي معروف لدولة الإمارات، يقع في عمق قطاع غزة وعلى مقربة من الخط الأصفر، وقد بدأ قبل عدة أشهر لإنشاء مجمع خيام خالٍ من سيطرة حركة حماس”.
ويشير البيان إلى أن مكتب نتنياهو سعى إلى إخلاء مسؤوليته عن مشروع رفح وإسناد المسؤولية كاملة إلى الإمارات، وهو ما فتح الباب أمام جملة من التساؤلات بشأن دوافع هذا التحرك.
وتتركز هذه التساؤلات حول أسباب اندفاع الإمارات، دون غيرها من دول العالم، لإقامة مخيمات للنازحين الفلسطينيين في مناطق تقع بين مواقع انتشار قوات الاحتلال الإسرائيلي وخلف الخط الأصفر.
كما يطرح نشطاء تساؤلات بشأن أسباب سماح الاحتلال للإمارات وحدها بتنفيذ هذه التجربة، وتمويلها والإشراف عليها، ومنحها الضوء الأخضر للعمل في هذه المنطقة الحساسة.
وتشمل التساؤلات أيضًا طبيعة هذا المشروع، وما إذا كان يندرج ضمن الأعمال الإغاثية، أم أنه يرتبط بترتيبات تتجاوز الجانب الإنساني، في ظل الحديث عن تلبية متطلبات أمنية إسرائيلية ومطالب أمريكية تتعلق بمستقبل القطاع.
كما يثار تساؤل آخر بشأن أسباب عدم تنسيق الإمارات هذه الخطط الخاصة بشرق رفح مع مصر أو مع الدول العربية، واختيارها العمل بصورة منفردة في هذا الملف.
مشاريع الإمارات في غزة
حذرت منصة Dark Box الاستخبارية الدولية من أن المشاريع الإماراتية في رفح تثير مخاوف من إعادة تشكيل جغرافية قطاع غزة، كونها تُنفذ تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، في وقت لا يزال فيه مئات الآلاف من الفلسطينيين النازحين عاجزين عن العودة إلى منازلهم.
وقالت المنصة إن ما تروج له الإمارات إعلاميًا باعتباره مشاريع لإعادة الإعمار ذات طابع إنساني، يُنظر إليه لدى كثير من الفلسطينيين باعتباره جهدًا منسقًا لإعادة تشكيل جغرافية غزة وتوزيع سكانها ومستقبلها السياسي بما يتماشى مع الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية والمصالح الاقتصادية الإقليمية الأوسع.
وأشارت إلى أن الجدل حول الدور الإماراتي تجدد بعد ظهور معلومات متزايدة بشأن مبادرات إعادة الإعمار الممولة من أبوظبي والمرتبطة بمدينة رفح، بما في ذلك مشاريع إسكانية ضخمة، وعمليات إزالة الأنقاض، وخطط لإنشاء مناطق حضرية جديدة بالكامل داخل مناطق لا تزال خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي.
وبالنسبة للفلسطينيين داخل قطاع غزة، لا تكمن المشكلة في إعادة الإعمار بحد ذاتها، وإنما في تنفيذها تحت الاحتلال، ودون مشاركة سكان رفح النازحين، بينما تبقى المدينة معزولة عسكريًا وسياسيًا، فضلًا عن كونها واحدة من أكثر المدن تدميرًا في التاريخ الفلسطيني الحديث.
تدمير رفح
منذ بدء العدوان الإسرائيلي على المدينة في مايو/أيار 2024، تعرضت أحياء كاملة في رفح لتدمير ممنهج عبر القصف الجوي والمدفعي وعمليات الهدم المخطط لها.
وتحولت المدينة، التي كانت الملاذ الأخير لمئات آلاف النازحين الفلسطينيين، إلى مشهد واسع من الدمار والتهجير الجماعي.
وحتى بعد دخول اتفاقيات وقف إطلاق النار حيز التنفيذ لاحقًا، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي سيطرتها على رفح ورفضت الانسحاب الكامل منها، ما أبقى مئات الآلاف من الفلسطينيين نازحين، فيما ظلت المدينة تحت الاحتلال العسكري.
وفي ظل هذه الظروف، بدأت خطط إعادة الإعمار المدعومة إماراتيًا بالتقدم.
ومن أكثر المقترحات إثارة للجدل مشروع يعرف باسم “رفح الجديدة”، ويقوم على إنشاء مجمعات سكنية ضخمة تضم نحو مئة ألف وحدة سكنية بتمويل من مبادرات مدعومة من الإمارات.
كما تشمل مشاريع أخرى خططًا تحمل اسم “رفح الخضراء”، تركز على إزالة الأنقاض وإعادة هيكلة المناطق الواقعة شرق ما يسمى “الخط الأصفر”، وهي مناطق ترتبط بصورة مباشرة بالترتيبات العسكرية الإسرائيلية وأطر الفصل الأمني.
التحالف الإماراتي الإسرائيلي
في الوقت نفسه، ظهرت رؤى أوسع لإعادة تطوير قطاع غزة، ترتبط بأوساط أمريكية وإسرائيلية، وتقوم على تحويل أجزاء من القطاع إلى مناطق استثمارية وسياحية ساحلية ضمن ممرات اقتصادية أوسع.
وترى المنصة أن التداخل بين السيطرة العسكرية الإسرائيلية، والتمويل الإماراتي، ومشاريع الاستثمار الأجنبي، واستبعاد السكان النازحين، يكشف عن محاولة منسقة لفرض واقع سياسي وديموغرافي جديد في غزة بعد الحرب.
وبحسب التقرير، يجري تحويل تدمير رفح إلى فرصة للهندسة الجيوسياسية، إذ تمضي مشاريع إعادة الإعمار ضمن إطار رسمته سلطات الاحتلال ورأس المال الأجنبي والحسابات الأمنية المفروضة، بدلًا من إعادة بناء المدينة وفق احتياجات وحقوق سكانها الأصليين.
وأضافت المنصة أن ذلك يفسر حالة الغضب والشك الواسعة داخل قطاع غزة تجاه هذه المشاريع، مشيرة إلى أن قادة المجتمع المحلي وعائلات ضحايا الحرب ومصادر محلية في رفح أعلنوا رفضهم أي مشاركة في جهود إعادة إعمار تُنفذ تحت إشراف الجيش الإسرائيلي.
ويؤكد فلسطينيون أن أي تعاون مع مشاريع مرتبطة بهياكل الاحتلال يمثل مشاركة مباشرة في إعادة تشكيل غزة بما يخدم المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، بينما يبقى سكان القطاع أنفسهم مهجرين ومستبعدين سياسيًا.
كما تزيد الحساسية الإنسانية في رفح من تعقيد المشهد، إذ لا تزال مساحات واسعة من المدينة تضم جثامين تحت الأنقاض، ومقابر مدمرة، وحالات اختفاء لم يُكشف مصيرها.
وأشارت المنصة الاستخبارية، إلى أن الدور الإماراتي أصبح محورًا رئيسيًا في هذا الجدل، في ظل تنامي التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين أبوظبي ودولة الاحتلال منذ توقيع اتفاقيات التطبيع.
وأضافت أن النفوذ الإماراتي امتد منذ ذلك الحين إلى ملفات إقليمية متعددة تتصل بالترتيبات الأمنية، ومشاريع إعادة الهيكلة الاقتصادية، وأطر التطبيع السياسي في المنطقة.
واختتمت المنصة بالقول إن غالبية الفلسطينيين باتوا ينظرون إلى التدخل الإماراتي في غزة باعتباره جزءًا من أجندة إقليمية أوسع تتقاطع مع الأولويات الاستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية، معتبرة أن مشاريع إعادة إعمار رفح عززت هذا التصور بصورة لافتة.





