احتجاجات المدن المغربية تعرّي فشل مشاريع التطبيع وتكرس رفض الشارع لإسرائيل

على مدار عدة أيام متواصلة، خرجت احتجاجات كبيرة في عديد المدن المغربية رفضًا لتعميق العلاقات بين المغرب ودولة الاحتلال الإسرائيلي، بعد الإعلان عن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين الجانبين من مكاتب اتصال إلى سفارات وتبادل السفراء، في خطوة اعتبرها المحتجون تصعيدًا لمسار التطبيع الذي بدأ عام 2020.
وتوزعت الفعاليات الاحتجاجية على 45 مدينة وقرية مغربية، بينها الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة وفاس وأكادير ووجدة وتطوان والقنيطرة وسلا وغيرها، تحت شعارات رافضة للتطبيع ومؤكدة رفض تحويل العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي إلى علاقات دبلوماسية كاملة.
وجاءت الاحتجاجات عقب إعلان المغرب ودولة الاحتلال، خلال اجتماع في نيويورك مؤخرا ضم وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، وبحضور السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، الاتفاق على رفع مستوى بعثتي البلدين إلى سفارتين وتبادل السفراء.
وتضمن الاتفاق كذلك توسيع الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين، وإعداد اتفاقيات لحماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي، إلى جانب تبادل الزيارات بين كبار المسؤولين في المغرب ودولة الاحتلال.
الشعب المغربي يرفض التطبيع
استفز تعميق العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي قطاعًا نشطًا وواسعا من الشارع المغربي، الذي انخرط في احتجاجات استمرت ثلاثة أيام بدعوة من الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع.
وبدأت الموجة الاحتجاجية في الرباط بتجمع أمام البرلمان وهتافات ضد التطبيع، فيما شهدت مراكش احتجاجات تحت شعار “لا سفير، لا سفارة”، بالتزامن مع تدخل أمني لمنع وقفة احتجاجية في طنجة، وتطويق وقفة في أكادير لمنع تحولها إلى مسيرة.
وأشارت تقارير إلى توقيف محتجين في طنجة خلال محاولة تنظيم احتجاج ضد تعميق العلاقات مع الاحتلال، فيما تحدثت جهات حقوقية وإعلامية عن قيود وتدخلات أمنية طالت فعاليات رافضة للتطبيع. وذكرت تقارير أن أكثر من 12 شخصًا أوقفوا في طنجة، بينما تحدث مصادر مغربية عن 14 مواطنًا، من بينهم المحامي محمد الصروخ.
وتتواصل المعارضة الشعبية للتطبيع منذ استئناف العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي في ديسمبر 2020، فيما اكتسبت موجة الغضب الحالية زخمًا إضافيًا مع انتقال العلاقة إلى مرحلة السفارات وتبادل السفراء.
ويكشف اتساع رقعة الاحتجاجات عن فجوة واضحة بين المسار الرسمي للعلاقات المغربية الإسرائيلية وبين موقف قطاعات من الشارع المغربي التي ترى في تعميق التطبيع تجاوزًا لموقفها الرافض للعلاقات مع الاحتلال، خصوصًا في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
التطبيع وتجاهل فلسطين
يرى المحتجون أن الانتقال من مكاتب الاتصال إلى السفارات يمثل خطوة كبيرة في مسار بدأته دولة الاحتلال منذ عام 2020 عبر اتفاقيات التطبيع مع عدد من الدول العربية، معتبرين أن هذا المسار قام على تجاوز القضية الفلسطينية والتعامل معها باعتبارها ملفًا يمكن فصله عن العلاقات العربية الإسرائيلية.
وتعبر الاحتجاجات المغربية عن رفض هذا المسار، خصوصًا بعد الحرب الإسرائيلية على غزة وما خلفته من أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى والدمار، إلى جانب استمرار الحصار والتهجير ونقص الغذاء والخدمات الطبية.
ويضع المحتجون خطوة افتتاح السفارات في هذا السياق باعتبارها تطبيعًا كاملًا مع دولة الاحتلال في وقت تتواصل فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، معتبرين أن العلاقات الرسمية الجديدة لا تعكس بالضرورة موقف الشارع المغربي من القضية الفلسطينية.
المغرب يوسع الشراكة مع الاحتلال
يدفع المغرب بالعلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي إلى مستويات تتجاوز التمثيل الدبلوماسي، مع خطط لتوسيع الرحلات الجوية وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، إلى جانب اتفاقيات جديدة في مجالات حماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي وتبادل الزيارات رفيعة المستوى.
ويأتي ذلك امتدادًا لمسار بدأ بعد اتفاق التطبيع عام 2020، والذي أعقبه فتح مكاتب اتصال وتسيير رحلات جوية مباشرة، وتطوير التعاون في مجالات السياحة والتكنولوجيا والأمن.
وفي يوليو 2021 وقع المغرب ودولة الاحتلال مذكرة تفاهم دفاعية، تبعها تعاون في مجالات التسليح والطائرات المسيرة والدفاع الجوي والاستخبارات.
وفي المقابل، ارتبط اتفاق التطبيع باعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في ديسمبر 2020، وهو المكسب الذي شكل أحد أبرز عناصر الصفقة السياسية التي رافقت استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية.
لكن هذا الملف لم يصل إلى حسم نهائي، إذ صدر في أكتوبر 2025 قرار لمجلس الأمن بشأن مسار المفاوضات حول الصحراء، فيما عقدت خلال عام 2026 جولات من المشاورات بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، بإشراف أمريكي وأممي، من دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
وفي 27 سبتمبر، وبينما كانت احتجاجات رافضة للتطبيع تتواصل في المدن المغربية، صرح المبعوث الأمريكي مسعد بولس بأن واشنطن لا ترى حلًا وشيكًا للنزاع، رغم استمرار دعمها لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ثمن التطبيع
يضع مراقبون هذا المسار في إطار مقايضة سياسية يعتبرون أن الرباط قدمت من خلالها لإسرائيل مكاسب دبلوماسية واقتصادية وأمنية، مقابل دعم أمريكي لموقفها في ملف الصحراء الغربية.
ويشير هؤلاء إلى أن التطبيع المغربي لم يكن بالنسبة لإسرائيل مجرد اتفاق إضافي ضمن اتفاقيات أبراهام، بل منحها حضورًا دبلوماسيًا في شمال أفريقيا وعلى المحيط الأطلسي، إلى جانب علاقات أمنية واقتصادية متنامية مع المملكة.
في المقابل فإن رهان المغرب على الدعم الأمريكي في ملف الصحراء دفعه إلى المضي بعيدًا في العلاقات مع دولة الاحتلال، رغم عدم وجود ارتباط مباشر بين القضيتين من حيث طبيعة النزاع وسياقه وأطرافه.
وبينما من حق المغرب السعي إلى حشد الدعم الدولي لموقفه من قضية الصحراء، فإنه لا ينبغي أن يتحول ذلك إلى مساومة على القضية الفلسطينية.
ويقول الملك المغربي محمد السادس إنه يدعم الفلسطينيين بصفته “أميرًا للمؤمنين”، ويدافع عن استمرار عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في غزة، كما يعارض عنف المستوطنين والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.
لكن الانتقادات الشعبية ترى أن هذه المواقف تفقد جزءًا كبيرًا من تأثيرها مع انتقال العلاقات مع دولة الاحتلال إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، ومع توسع التعاون الاقتصادي والأمني بين الطرفين.
وفي المقابل، تكشف الاحتجاجات الممتدة في المغرب أن القطاع الأكبر من المجتمع المغربي لا يرى في تعميق العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي تعبيرًا عن موقفه، بل يواصل رفع شعار رفض التطبيع والدفاع عن فلسطين.
ويختصر شعار “رفض المساومة على فلسطين” موقف المحتجين الذين يرون أن التطبيع الكامل مع الاحتلال الإسرائيلي، في ظل استمرار الحرب والقتل والحصار والتهجير والاعتداءات على الفلسطينيين، لا يمكن تقديمه باعتباره سلامًا مكتمل الأركان بل طعنة غادرة للحقوق الفلسطينية والعربية.





