انشغال سلطة رام الله بالانتخابات وسط الإبادة محاولة تجديد شرعية فقدت سندها الشعبي

أعاد إعلان السلطة الفلسطينية تعديل قانون الانتخابات وإحياء الحديث عن إجراء انتخابات عامة موجة واسعة من الانتقادات بوصفها محاولة تجديد شرعية فقدت سندها الشعبي وتعكس انفصالاً متزايداً عن الواقع الفلسطيني.
ويبرز مراقبون أن سلطة رام الله تستخدم الانتخابات كملهاة لإشغال الرأي العام بترتيبات سياسية داخلية بينما تواجه القضية الفلسطينية أخطر مراحلها منذ عقود في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة وتصاعد العدوان في الضفة الغربية.
ويقول هؤلاء إن السلطة بدلاً من الانخراط في مشروع وطني يعيد ترتيب الأولويات الفلسطينية ويواجه التداعيات الكارثية للحرب، اختارت إعادة فتح ملف الانتخابات، رغم غياب الحد الأدنى من الشروط السياسية والقانونية التي تجعل من أي عملية انتخابية وسيلة حقيقية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
كما أن الانتخابات في الظروف الطبيعية، تمثل آلية لتجديد الشرعيات وإعادة توزيع موازين القوى وفق الإرادة الشعبية، لكنها في الحالة الفلسطينية الحالية تحولت إلى عنوان سياسي يفتقر إلى مقومات النجاح، لأن البيئة التي يفترض أن تُجرى فيها العملية الانتخابية تكاد تكون معدومة بالكامل.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
يشير المراقبون إلى أن أي انتخابات فلسطينية تحتاج إلى توافق وطني شامل، وضمانات تكفل حرية التنافس بين جميع القوى السياسية، وبيئة تسمح بحرية الدعاية والاقتراع واحترام النتائج.
وهي شروط تؤكد جميع الأوساط السياسية أنها غائبة تماماً في ظل الاحتلال الإسرائيلي، والانقسام الداخلي واستمرار الحرب، الأمر الذي يجعل الحديث عن الانتخابات أقرب إلى ممارسة سياسية شكلية لا علاقة لها بجوهر الأزمة الفلسطينية.
وتتعرض السلطة لانتقادات حادة بسبب محاولة القفز فوق الواقع، إذ يرون أن الفلسطينيين لا يواجهون اليوم أزمة صناديق اقتراع، وإنما أزمة مشروع وطني يتعرض للتآكل، بينما تتراجع مكانة السلطة نفسها مع انهيار الأسس السياسية التي قامت عليها.
ويذهب هذا التقييم إلى أن اتفاق أوسلو، الذي استندت إليه السلطة منذ تأسيسها، لم يعد يمتلك أي فاعلية سياسية بعد سنوات من التوسع الاستيطاني الإسرائيلي وتراجع فرص التسوية، حتى بات الحديث عن الانتخابات وفق قواعده محاولة لإحياء إطار سياسي يعتبره كثيرون قد انتهى عملياً، بينما لم يبق منه سوى مؤسسات إدارية فقدت الكثير من قدرتها على التأثير.
وهنا يبرز سجل السلطة خلال السنوات الماضية، إذ أنها امتنعت منذ الانقسام الفلسطيني عام 2007 عن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، رغم تكرار الدعوات لإجراء انتخابات.
وقد كانت قيادة السلطة تدرك أن تراجع شعبيتها والانقسامات داخل حركة فتح يجعلان نتائج أي انتخابات حرة محفوفة بالمخاطر بالنسبة لها.
وعليه فإن ملف الانتخابات لم يكن طوال السنوات الماضية سوى ورقة سياسية يجري التلويح بها عند الحاجة، بينما لم تظهر السلطة استعداداً فعلياً للمضي فيها عندما كانت الفرصة متاحة، وهو ما عزز القناعة بأن الهدف لم يكن تجديد الشرعية بقدر ما كان إدارة الضغوط السياسية الداخلية والخارجية.
الانتخابات العامة الفلسطينية
تدرك قيادة السلطة جيدا أن القرار النهائي بشأن الانتخابات لا يعود إليها وحدها، لأن الاحتلال الإسرائيلي يمتلك القدرة على تعطيل العملية الانتخابية أو فرض شروطه عليها، ولا سيما فيما يتعلق بمشاركة القوى التي ترفضها دولة الاحتلال، الأمر الذي يجعل الحديث عن انتخابات شاملة، في ظل المعطيات الحالية، أقرب إلى طرح نظري منه إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ.
وفي المقابل فإن السلطة تسعى من خلال إعادة طرح ملف الانتخابات إلى تحقيق هدف مختلف، يتمثل في إقناع المجتمع الدولي بأنها تستجيب لمطالب الإصلاح وإعادة الهيكلة، في وقت تتعرض فيه لضغوط متزايدة لإجراء تغييرات داخل مؤسساتها.
وبحسب مراقبين فإن السلطة لا تبدو معنية بإصلاح بنيتها السياسية بقدر اهتمامها بإعادة إنتاج نفسها، معتبرين أن الانتخابات إذا جرت وفق التعديلات المطروحة، قد تتحول إلى أداة لتكريس الواقع القائم بدلاً من تغييره، خصوصاً مع الجدل الذي أثارته التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات للتأثير في قواعد اللعبة السياسية قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
وتزداد حدة الانتقادات مع استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ أن السلطة تبدو وكأنها تتعامل مع الحرب باعتبارها حدثاً خارج أولوياتها السياسية، بينما تنصرف إلى ترتيبات إجرائية لا تقدم أي إجابة عن الأسئلة المصيرية التي يواجهها الفلسطينيون.
ويشدد المراقبون على أن الأولوية الوطنية في هذه المرحلة تتمثل في إعادة بناء المشروع الوطني، واستعادة الوحدة الفلسطينية، وصياغة رؤية سياسية مشتركة لمواجهة التحديات، وليس الانشغال باستحقاق انتخابي يفتقر إلى البيئة السياسية التي تمنحه أي قيمة فعلية.
في المقابل فإن استمرار قيادة السلطة بالتركيز على بقائها السياسي، بينما تتصاعد معاناة الفلسطينيين، يعمق أزمة الثقة ويكرس صورة سلطة منشغلة بإعادة ترتيب أوضاعها أكثر من انشغالها بمواجهة التحديات الوطنية.
وبالمجمل فإن الدعوة إلى الانتخابات في هذا التوقيت لا تبدو خطوة نحو إصلاح النظام السياسي، وإنما محاولة لإعادة تدوير شرعية تآكلت على مدى سنوات، وتقديم استجابة شكلية للمطالب الدولية بالإصلاح، بينما تبقى القضايا الجوهرية المتعلقة بإنهاء الانقسام، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية، ومواجهة تداعيات الحرب، خارج دائرة المعالجة الفعلية.
إذ أن سلطة رام الله بدلاً من أن تجعل من الحرب وما رافقها من تحولات فرصة لإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة الوطنية، اختارت العودة إلى مسار انتخابي يفتقر إلى المقومات السياسية والقانونية، وهو ما يجعل الحديث عن الانتخابات في ظل الواقع القائم، أقرب إلى محاولة لترميم سلطة مأزومة منه إلى مشروع يعيد الاعتبار للإرادة الشعبية أو يفتح أفقاً جديداً أمام القضية الفلسطينية.





