إعدام المنشقين عن المليشيات العميلة يعكس هشاشتها واعتمادها على سياسة الخوف

يعكس تكرار إعدام الميليشيات العميلة للاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة عناصرها على خلفية محاولتهم الانشقاق حجم هشاشتها واعتمادها على الخوف والإرهاب الداخلي.
وقال الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية رامي أبو زبيدة، إن إعدام العميل سامي الصفايحة بعد محاولته الانشقاق، يؤكد أن المليشيات العميلة لا تتسامح مع أي محاولة للخروج من صفوفها، وأن بنيتها تقوم على الخوف والشك وانعدام الثقة.
وأوضح أبو زبيدة أن العنصر الذي يحاول الانسحاب يتحول إلى تهديد أمني بالنسبة لمشغليه، لامتلاكه معلومات قد تكشف الشبكة وآليات عملها وهوية القائمين عليها.
وأضاف أن هذه المليشيات تلجأ إلى معاقبة المنشقين بأقصى درجات القسوة، ليس بدافع الانتقام فقط، وإنما لفرض الردع داخل صفوفها، وإيصال رسالة لبقية العناصر بأن محاولة الانسحاب أو التراجع ستكون لها عواقب وخيمة.
وأشار إلى أن مثل هذه الوقائع تدل على أن الشبكات العميلة عندما تبدأ بتصفية عناصرها تكون قد دخلت مرحلة الدفاع عن بقائها، وهي مرحلة تترافق غالباً مع تصاعد الضغوط الأمنية، وتراجع تماسكها الداخلي، وازدياد خشيتها من الانشقاقات والتسرب الاستخباري.
وأكد أبو زبيدة أن أخطر تهديد قد يواجه الشبكة في العمل الاستخباري أن يقرر أحد عناصرها الانسحاب، لأنه قد يتحول إلى مصدر معلومات يقود إلى تفكيكها بالكامل، معتبراً أن المليشيات العميلة تسعى إلى ترسيخ الخوف داخل صفوفها باعتباره الوسيلة الأساسية لضمان استمرار بقائها.
من هي العصابات العميلة في غزة ؟
أكدت صحيفة الغارديان البريطانية مؤخرا، أن الرهان الإسرائيلي على إنشاء وتمويل عصابات عميلة خلال الحرب لم يحقق النتائج التي كانت تأملها تل أبيب، مشيرة إلى أن هذه العصابات نفذت عمليات محدودة ومهام تكتيكية، لكنها أخفقت في تغيير موازين القوى داخل القطاع أو تشكيل بديل حقيقي للمقاومة.
ونقلت الصحيفة عن الضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية والباحث في جامعة تل أبيب، مايكل ميلشتاين، قوله إن هذه العصابات “لن تغير بأي حال الوضع الاستراتيجي في غزة”، مؤكداً أنها لا تمتلك أي دعم شعبي، ولا يمكن أن تتحول إلى بديل لحركة حماس، وأن الاعتماد على الوكلاء لا يحقق أهداف الاحتلال بل يؤدي إلى مزيد من التعقيد والضرر.
وجاء هذا التقييم منسجماً مع ما نشرته صحيفة زمان يسرائيل، التي أقرت بأن مشروع إنشاء عصابات متعاونة مع الجيش الإسرائيلي لم ينجح في فرض واقع جديد داخل القطاع، رغم الدعم الذي وفرته الحكومة الإسرائيلية لها.
وأكدت الصحيفة أن هذه العصابات لم تتمكن من فرض سيطرة فعلية على المناطق التي حاولت العمل فيها، كما أخفقت في بناء حضور شعبي، بينما بقيت السيطرة الميدانية في معظم المناطق المأهولة بيد فصائل المقاومة.
وأضافت أن النشاط الإعلامي لهذه المجموعات يتركز على شبكات التواصل الاجتماعي أكثر من حضوره الميداني، في محاولة لتسويق صورة تختلف عن الواقع، وإظهار نفسها كقوة صاعدة رغم محدودية أعداد عناصرها وضعف تأثيرها الفعلي.
مهام قذرة للعصابات العميلة في غزة
تشير مصادر أمنية إلى أن العصابات العميلة تولت خلال الحرب تنفيذ مهام أمنية مباشرة لصالح الاحتلال، شملت جمع المعلومات، وملاحقة مقاومين، والمشاركة في تفتيش مناطق وأنفاق، إضافة إلى اعتراض ونهب شحنات المساعدات الإنسانية، في وقت كان فيه مئات آلاف الفلسطينيين يواجهون المجاعة والحصار.
كما ارتبط اسم بعض العصابات بعمليات اختطاف لمواطنين وتسليمهم إلى قوات الاحتلال، من بينهم مدير عام المستشفيات الميدانية في وزارة الصحة الدكتور مروان الهمص، في تطور يعد انتقالاً من العمل الاستخباراتي إلى تنفيذ عمليات ميدانية مباشرة تخدم الجيش الإسرائيلي.
وتؤكد الأجهزة الأمنية التابعة للمقاومة أن الاحتلال يستخدم هذه العصابات كامتداد ميداني لأجهزته الاستخباراتية، مستفيداً من الحرب والظروف الإنسانية الصعبة لاستقطاب أفراد عبر الإغراءات المالية أو الابتزاز أو الوعود بالحماية والخروج الآمن من القطاع.
جهد المقاومة في مواجهة العصابات العميلة
في إطار حملات التوعية الأمنية، بثت المقاومة اعترافات لأشخاص أعلنوا توبتهم بعد تعاونهم مع الاحتلال، كشفوا خلالها أنهم تعرضوا لاحقاً للابتزاز والتهديد، وأن الجهات التي جندتهم استخدمت أفراد عائلاتهم، بمن فيهم الأطفال، للضغط عليهم وإجبارهم على تنفيذ مهام جديدة.
وأكد أحد هؤلاء أن ما بدأ بوعود بالحماية والمساعدة تحول إلى سلسلة من التهديدات والابتزاز، وصولاً إلى اختطاف أطفاله ومساومته بهم لإبقائه تحت سيطرة الشبكة التي كانت تديره، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة التي يقيمها الاحتلال مع من يتعاونون معه.
ويرى محللون أن دولة الاحتلال تحاول من خلال هذه السياسة إعادة إنتاج نماذج استخدمتها في تجارب احتلال سابقة، تقوم على إنشاء قوى محلية تعمل وكيلاً عنها في إدارة المجتمع وملاحقة المقاومين، غير أن نجاح مثل هذه المشاريع يتطلب قاعدة اجتماعية وشرعية سياسية، وهو ما تفتقده هذه التشكيلات بصورة كاملة.
ويؤكد هؤلاء أن تغيير أسماء هذه العصابات أو إعادة تقديمها بواجهات جديدة لا يغير من طبيعة الدور الذي تؤديه، طالما أنها تستمد قدرتها على الحركة من الجيش الإسرائيلي، وتعمل في إطار أهدافه الأمنية والعسكرية.
كما أن الاحتلال يحاول تسويق هذه العصابات باعتبارها بديلاً محلياً، بينما تؤكد الوقائع الميدانية، أنها بقيت مجموعات محدودة العدد والتأثير، تعتمد على السلاح الإسرائيلي أكثر من اعتمادها على أي تأييد شعبي.
وعليه فإن مشروع العصابات العميلة يواجه المأزق ذاته الذي واجهته تجارب مماثلة في مناطق احتلال أخرى، حيث أثبتت التجارب أن المجموعات التي تنشأ تحت حماية قوة احتلال تبقى معزولة عن مجتمعها، وتفقد أي فرصة لاكتساب الشرعية، فيما تتحول مع مرور الوقت إلى عبء على الجهة التي أنشأتها، وهو ما بدأت تقارير إسرائيلية وغربية تعترف به بصورة متزايدة مع اتساع الفجوة بين أهداف المشروع ونتائجه على الأرض.
العصابات العميلة في غزة ويكيبيديا
يوجد في قطاع غزة خمس مليشيات، من أشهرها مليشيا ياسر أبو شباب الذي قُتل في 4 ديسمبر/كانون الأول الماضي وتسلّمها من بعده الداعشي غسان الدهيني، ومليشيا في بيت لاهيا شمالاً يقودها الداعشي أشرف المنسي.
وتنشط ميليشيا ثالثة بقيادة الداعشي رامي حلس شرق غزة، بالإضافة إلى مليشيا الداعشي شوقي أبو نصيرة شرقي دير البلح والمنطقة الوسطى، ومليشيا الداعشي حسام الأسطل في المناطق الشرقية من خانيونس جنوبي القطاع.
وعلى مدار حرب الإبادة على القطاع (بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر 2025) شكّلت المليشيات في غزة ذراعاً ميدانية للاحتلال من خلال إعاقة وصول المساعدات وتنفيذ عمليات نهب لها، فضلاً عن أدوار أمنية متعلقة بتفتيش الأنفاق أو ملاحقة المقاومين، وتجاوز ذلك أخيراً لتنفيذ عمليات اغتيال.
وسبق أن نفذت المليشيات في غزة عمليات خاصة تمثلت في اختطاف فلسطينيين مثلما حصل مع الطبيب مروان الهمص مدير عام المستشفيات الميدانية في وزارة الصحة وابنته الممرضة تسنيم التي تم الإفراج عنها لاحقاً بعدما قامت هذه المجموعات بتسليمهما للاحتلال.




