أرقام تفضح زيف دعاية سلطة رام الله بشأن الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي

كشفت بيانات رسمية عن تصاعد اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على السوق الإسرائيلية، رغم سنوات من التصريحات والتعهدات التي أطلقتها سلطة رام الله بشأن تنفيذ خطط لـ”الانفكاك الاقتصادي” وتقليص الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، إذ أظهرت الأرقام ارتفاعاً ملحوظاً في حجم التجارة مع دولة الاحتلال مقابل تراجع التبادل التجاري مع بقية دول العالم.
وأظهرت النتائج الأولية للتجارة الخارجية للسلع الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لشهر مايو/أيار الماضي اتساع العجز في الميزان التجاري الفلسطيني بنسبة 15% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، في مؤشر يعكس استمرار الضغوط التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني.
وبحسب البيانات الرسمية، ارتفع العجز التجاري إلى 526.4 مليون دولار خلال مايو/أيار، مقارنة مع 455.9 مليون دولار في الشهر ذاته من العام السابق، رغم ارتفاع قيمة الصادرات الفلسطينية إلى 193.3 مليون دولار، مقابل زيادة الواردات إلى 719.7 مليون دولار.
غير أن المؤشر الأكثر لفتاً للانتباه في البيانات الرسمية تمثل في طبيعة وجهات الصادرات ومصادر الواردات، حيث سجلت الصادرات الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلية ارتفاعاً بنسبة 33%، بينما ارتفعت الواردات القادمة من إسرائيل بنسبة 42%.
في المقابل، تراجعت الصادرات الفلسطينية إلى بقية دول العالم بنسبة 45%، كما انخفضت الواردات من الأسواق الخارجية بنسبة 10%، ما عزز الوزن النسبي للتجارة مع إسرائيل في إجمالي التجارة الفلسطينية.
تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي
وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، استحوذت السوق الإسرائيلية على نحو 96% من إجمالي الصادرات الفلسطينية خلال مايو/أيار، فيما شكلت الواردات القادمة من دولة الاحتلال نحو 65% من إجمالي الواردات الفلسطينية، وهي نسب تعد الأعلى مقارنة بمتوسطات السنوات الأخيرة.
وتأتي هذه المؤشرات في وقت واصلت فيه سلطة رام الله خلال السنوات الماضية الإعلان عن تبني سياسات تستهدف تقليص الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي، وتعزيز الانفتاح على الأسواق العربية والدولية، ضمن ما عُرف بسياسة “الانفكاك الاقتصادي”.
إلا أن الأرقام الرسمية تعكس اتجاهاً مغايراً، إذ تشير إلى اتساع ارتباط التجارة الفلسطينية بالسوق الإسرائيلية بدلاً من تراجعه، مع تقلص حصة الأسواق الخارجية من الصادرات والواردات الفلسطينية.
وبحسب مختصين، فإن وصول 96% من الصادرات الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلية يمثل مؤشراً غير مسبوق، مقارنة بمتوسط تراوح خلال السنوات العشر الماضية عند حدود 85%، بينما ارتفعت حصة الواردات من دولة الاحتلال إلى 65%، مقارنة بنسبة تراوحت تاريخياً بين 50 و55%.
كما تظهر مراجعة بيانات الأشهر السابقة استمرار الاتجاه التصاعدي للعجز التجاري، إذ ارتفع خلال يناير/كانون الثاني بنسبة 13%، وفي فبراير/شباط بنسبة 17%، وفي أبريل/نيسان بنسبة 13%، بينما كان شهر مارس/آذار الوحيد الذي سجل تراجعاً محدوداً في العجز التجاري بنسبة 4%.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
يرى خبراء اقتصاديون أن هذه المؤشرات تعكس تعمق تبعية الاقتصاد الفلسطيني للسوق الإسرائيلية، في ظل استمرار القيود المفروضة على حركة التجارة، والتحديات التي تواجه وصول السلع الفلسطينية إلى الأسواق الخارجية.
وقال الخبير الاقتصادي ثابت أبو الروس إن ارتفاع نسبة الواردات من دولة الاحتلال إلى 65% يمثل مؤشراً مقلقاً على مستوى الأمن الاقتصادي، وأن هذه الأرقام تعكس تراجعاً في مساعي تقليل الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي.
وأوضح أبو الروس أن التوسع في الاستيراد من السوق الإسرائيلية لم يكن، نتيجة اعتبارات اقتصادية بحتة، وإنما جاء تحت تأثير التطورات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة، وما رافقها من اضطرابات في حركة التجارة الدولية.
وأشار إلى أن تداعيات الحرب الإقليمية والإغلاقات المتكررة للموانئ أدت إلى إطالة مدة وصول الحاويات القادمة من الأسواق الآسيوية، حيث ارتفعت فترات الشحن من نحو 40 يوماً إلى ما يقارب أربعة أشهر في بعض الحالات، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل البحري، وهو ما دفع العديد من التجار الفلسطينيين إلى الاعتماد بصورة أكبر على السوق الإسرائيلية لضمان استمرار تدفق البضائع.
كما حذر أبو الروس من أن اعتماد 96% من الصادرات الفلسطينية على السوق الإسرائيلية يجعل الاقتصاد الفلسطيني عرضة لمخاطر كبيرة، إذ إن أي قيود أو إغلاقات قد تفرضها سلطات الاحتلال على حركة الصادرات يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات واسعة في النشاط الاقتصادي الفلسطيني.
وأضاف أن الاقتصاد الفلسطيني أصبح أكثر ارتباطاً بالسوق الإسرائيلية في قطاعات متعددة، لافتاً إلى أن دولة الاحتلال تستورد من الفلسطينيين منتجات محددة، من بينها الصناعات البلاستيكية واللدائن، لأسباب ترتبط باحتياجاتها الصناعية.
وتسلط هذه البيانات الضوء على اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يدعو إلى تقليل الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، وبين المؤشرات الاقتصادية الفعلية التي تظهر استمرار تعمق العلاقات التجارية مع دولة الاحتلال، في ظل تحديات لوجستية وأمنية واقتصادية تعيق تنويع الشركاء التجاريين وفتح أسواق بديلة أمام الصادرات الفلسطينية.





