تحليلات واراء

عباس والشعب.. خطان متوازيان لا يلتقيان أبداً

يبدو المشهد السياسي الفلسطيني، بعد أكثر من عقدين على آخر انتخابات رئاسية لقيادة سلطة رام الله، وكأنه يعيش وفق قاعدة هندسية ساخرة: خطان متوازيان لا يلتقيان أبداً؛ خط اسمه الشعب، وخط آخر اسمه السلطة.

يتحدث الفلسطينيون عن الغلاء، والبطالة، وتآكل القدرة على الحياة، وانسداد الأفق السياسي، وغياب الانتخابات، فيما تتحدث سلطة عباس عن الإنجازات واللجان والترتيبات والاجتماعات والشرعيات الدولية.

ويريد المواطن تغيير الوجوه، بينما تنشغل الوجوه الموجودة بتجديد شرعيتها وإبقاء هندسة الواقع لصالح نفوذها، وبينما يبحث الجيل الجديد عن المستقبل، تبدو السلطة عالقة في ماضٍ سياسي أكثر أمناً بالنسبة إليها وأقل إزعاجاً من صندوق اقتراع مفتوح.

ولا تبدو هذه المفارقة مجرد استعارة سياسية. فقد أصبح عباس، الذي انتُخب رئيساً للسلطة الفلسطينية في يناير/كانون الثاني 2005، في عامه الحادي والعشرين في المنصب، رغم أن الولاية الرئاسية المحددة أصلاً بأربع سنوات انتهت منذ زمن طويل.

وتؤكد دراسة حديثة لمجلس العلاقات الأوروبية، الخارجية أن عباس أمضى سنوات طويلة في الحكم بعد انتهاء ولايته، وركز السلطات بيده بعد حل البرلمان، وإصدار القوانين والمراسيم، وإضعاف المنافسين السياسيين.

وتتجاوز المشكلة مسألة طول البقاء في السلطة إلى سؤال الشرعية السياسية نفسها. فقد كانت آخر انتخابات تشريعية فلسطينية في عام 2006، بينما كان من المفترض إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في 2021، قبل أن يقرر عباس تأجيلها.

وقال عباس آنذاك إن القيود الإسرائيلية على مشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية حالت دون إجرائها، بينما رأى محللون أن الخشية من نتائج الانتخابات واحتمال تقدم حركة حماس كانا من العوامل الأساسية وراء القرار.

وهنا يظهر الخط الأول: الشعب الذي يريد أن يعرف من يحكمه، وكيف يحكمه، ومتى يمكنه تغيير من يحكمه.

في المقابل يظهر الخط الثاني: منظومة سياسية تعيد إنتاج نفسها من خلال التعيينات والمراسيم وإعادة توزيع المناصب، بينما يبقى السؤال الأساسي مؤجلاً: متى يعود المواطن إلى ممارسة حقه في اختيار القيادة؟

محمود عباس ويكيبيديا

تزداد المفارقة وضوحاً بعد حل المجلس التشريعي الفلسطيني. فقد اتخذت المحكمة الدستورية قراراً بحل المجلس في 2018، وأعلن عباس الدعوة إلى انتخابات تشريعية خلال ستة أشهر.

لكن الانتخابات لم تُجرَ، وبقي الفراغ التشريعي قائماً. ومع غياب البرلمان المنتخب، اتسعت مساحة الحكم بالمراسيم الرئاسية، الأمر الذي منح الرئاسة نفوذاً أكبر على التشريع والحياة السياسية والمؤسسات العامة.

ولا يعني ذلك أن كل مشكلات الفلسطينيين يمكن اختزالها في شخص عباس. فالسلطة تعمل في بيئة استثنائية، تحت الاحتلال الإسرائيلي، وتواجه الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، كما أن إسرائيل تحتفظ بأدوات واسعة للتأثير في الأراضي الفلسطينية. لكن هذه الظروف لا تلغي سؤالاً آخر: لماذا تتحول الظروف الاستثنائية إلى ذريعة دائمة لتعليق الحياة الديمقراطية؟

فقد أصبح الانقسام الداخلي جزءاً من معادلة تعطيل الانتخابات. وتحوّل الخلاف السياسي من قضية مؤقتة يفترض حلها إلى بنية دائمة تحكم النظام الفلسطيني.

وهكذا أصبح الفلسطيني أمام معادلة شديدة القسوة: لا انتخابات لأن الانقسام قائم، والانقسام مستمر لأن المؤسسات السياسية عاجزة عن إنتاج شرعية جديدة، والشرعية القديمة تستمر لأنها لا تخضع لاختبار انتخابي جديد وتريك استمرار تكريس الأمر الواقع إلى أجل غير مسمى.

أما نقطة التقاء الخطين المتوازيين، فتظهر عادة عندما تحتاج السلطة إلى الشعب.

عند الانتخابات، يصبح المواطن مصدراً للشرعية، وتعود لغة الجماهير والإرادة الشعبية والصندوق والتمثيل. لكن عندما تنتهي الانتخابات أو تتعطل، يعود المواطن إلى موقع المتلقي، وتعود السلطة إلى موقع المقرر.

أزمة شرعية السلطة الفلسطينية

تشير دراسات سياسية إلى أن السلطة الفلسطينية أصبحت تعاني من أزمة شرعية متراكمة بسبب ضعف الحوكمة والفساد وتقييد المجال السياسي وغياب الانتخابات.

لهذا لا تبدو المشكلة في أن الخطين لا يلتقيان فقط، بل في أن أحدهما يمتلك السلطة لتحديد المسافة بينهما.

الشعب يريد انتخابات، والسلطة تريد ترتيبات، والشعب يريد تغييراً، والسلطة تريد استقراراً، الشعب يسأل عن المستقبل، والسلطة تستحضر الماضي.

وعندما يقترب موعد الاستحقاق الانتخابي، يقترب الخطان قليلاً، ثم يعودان إلى التوازي بعد أن يصبح الصندوق خارج المشهد.

ويبقى السؤال السياسي الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن لسلطة تقول إنها تمثل الشعب أن تخشى الاحتكام إليه بانتخابات ديمقراطية ونزيهة وبدون إقصاء سياسي متعمد للخصوم السياسيين؟.

فإذا كانت القيادة واثقة من إنجازاتها، فإن صندوق الاقتراع يفترض أن يكون أفضل حليف لها، لا أخطر خصومها. أما استمرار الحكم بلا انتخابات، وفي ظل غياب رقابة برلمانية فاعلة، فيحوّل أزمة الشرعية من مشكلة مؤقتة إلى أزمة بنيوية يصعب تجاوزها.

Screenshot

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى