تحليلات واراء

سرطان الاستيطان يتمدد في الضفة الغربية ويدوس نهج “سد الذرائع”

يواصل سرطان الاستيطان الإسرائيلي التمدد في الضفة الغربية المحتلة بمستويات غير مسبوقة، ويدوس في طريقه نهج “سد الذرائع” الذي رفعته سلطة رام الله منذ سنوات وأصرت عليه بزعم الحفاظ على ما تبقى من أرض وسيادة.

فعلى الرغم من تمسك سلطة رام الله بنهج التسوية وسحب الذرائع والتنسيق الأمني مع الاحتلال، فإن الاستيطان يتمدد في كل اتجاه، ليدفن معه كل ما تبقى من فرص لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، ومن صلاحيات واهية تريد السلطة الحفاظ عليها.

وبعد مرور 21 عاماً على خطة فك الارتباط الإسرائيلية عام 2005، أعاد المسؤولون الإسرائيليون مستوطنة “غانم” قرب جنين في شمال الضفة الغربية، ونقلوا إليها رسمياً اليوم 30 عائلة، على أن تُنقل إليها أيضاً مدرسة غانم الدينية، وهي فرع من مدرسة “بني دافيد”، يوم الأحد المقبل.

وقد أقيم حفل استقبال رسمي في موقع المستوطنة المذكورة، بمشاركة وزراء وأعضاء كنيست وقادة مستوطنات وشخصيات إسرائيلية عامة، تقدمهم وزير الجيش، الذي أعلن أن هذا الإجراء يأتي ضمن “خطة الربط” التي يقودها “مجلس السامرة” الاستيطاني اليهودي.

وتشمل خطة الربط إنشاء 19 مستوطنة جديدة في منطقة شمال السامرة، في إطار برنامج “مليون في السامرة”.

وصرح رئيس المجلس الاستيطاني، “يوسي داغان”، قائلاً: “هذه لحظة تصحيح تاريخي. قبل 21 عاماً، واليوم نعود ونعيد بناء غانم. لم نعد فقط إلى المجتمعات الأربع التي هُجّرت، بل نضاعف حجم المستوطنة ونزيدها ثلاثة أضعاف”.

الاستيطان وخطاب “سد الذرائع”

بات خطاب “سد الذرائع” يهيمن على نهج سلطة رام الله تحت شعار تفادي التصعيد مع الاحتلال الإسرائيلي، وتحميل فصائل المقاومة مسؤولية ما يرتكبه من جرائم على امتداد الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأعاد استخدام رئيس سلطة رام الله محمود عباس لمفهوم “سد الذرائع” في التعامل مع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة فتح جدل واسع داخل الساحة الفلسطينية، بعدما انتقلت قاعدة فقهية خلافية إلى قلب النقاش السياسي بشأن الاحتلال والمقاومة والمسؤولية عن استمرار العدوان.

وجاء الجدل بعد دعوات متكررة من عباس لفصائل المقاومة إلى اتخاذ خطوات تسحب ما وصفه بـ”الذرائع الإسرائيلية”، بما في ذلك تسليم الأسرى ووقف أي أسباب تستخدمها دولة الاحتلال لتبرير استمرار عملياتها العسكرية، وهي تصريحات تمثل انسجاماً مع منطق يحمل الفلسطينيين مسؤولية عدوان الاحتلال بدلاً من مساءلة القوة القائمة بالاحتلال.

وكان عباس قد قال خلال كلمته أمام القمة العربية في البحرين في 16 مايو/أيار 2024 إن العملية التي نفذتها حركة حماس في السابع من أكتوبر “بقرار منفرد وفّرت لإسرائيل المزيد من الذرائع والمبررات كي تهاجم قطاع غزة وتمعن فيه قتلاً وتدميراً وتهجيراً”.

كما عاد في مارس/آذار 2025 للمطالبة بأن “تقطع حماس الطريق على إسرائيل وتسحب الأعذار منها”، قبل أن يؤكد خلال افتتاح أعمال المجلس المركزي الفلسطيني في رام الله أن تجريد المقاومة من السلاح قد يؤدي إلى وقف المبررات التي تعتمد عليها دولة الاحتلال في استمرار الحرب.

لكن هذه المقاربة أثارت اعتراضات واسعة داخل الأوساط الفلسطينية، التي شددت على أن الاحتلال لا يحتاج إلى ذرائع لتنفيذ سياساته العسكرية، وأن التجارب التاريخية أظهرت استمرار الاستيطان والقتل والاعتقالات والحصار حتى في مراحل غياب العمل المسلح.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

يبرز الكاتب والمحلل السياسي أسامة خليفة أن طرح سلطة رام الله وتحويل مفهوم “سد الذرائع” إلى قاعدة سياسية دائمة يؤدي عملياً إلى تقييد أي شكل من أشكال مقاومة الاحتلال، بما فيها المقاومة الشعبية السلمية، بحجة أن دولة الاحتلال قد تستخدمها مبرراً للرد بالقوة.

ويشدد خليفة على أن القانون الدولي لا يعتبر مقاومة الاحتلال سبباً يبرر ارتكاب المجازر ضد المدنيين، بل إن اتفاقيات جنيف تحمل القوة القائمة بالاحتلال مسؤولية حماية السكان الواقعين تحت سيطرتها، وتعتبر استهداف المدنيين والعقاب الجماعي جرائم لا يمكن تبريرها بأي ظروف.

وينتقد خليفة موقف السلطة من مفهوم “سد الذرائع” باعتباره نهجاً سياسياً يهدف إلى تقليل الخسائر وحماية المدنيين، مشيراً إلى أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة الموقف الإسرائيلي من السلطة نفسها، إذ لم تمنع سنوات التنسيق السياسي والأمني استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة أو رفض أي مسار سياسي ينهي الاحتلال.

ويشير إلى أن الإفراط في سياسة “سد الذرائع” قاد ولا يزال إلى سلسلة تنازلات مجانية دون ضمانات، خصوصاً في ظل غياب ضغط دولي حقيقي يجبر دولة الاحتلال على وقف انتهاكاتها أو الالتزام بالاتفاقات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى