عباس و”هوس الأوسمة”.. رئاسة تحت الاحتلال تُختزل في حفلات التكريم

يواصل رئيس سلطة رام الله محمود عباس ممارسة واحدة من أكثر الطقوس حضوراً في نشاطه الرئاسي، وهي منح الأوسمة والقلائد والدروع لشخصيات فلسطينية وعربية ودولية، في مشهد استعراضي بروتوكولي لصلاحيات رئاسة تفتقر إلى السيادة الفعلية على الأرض.
وبينما تعيش الضفة الغربية تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، وتتوسع المستوطنات وتتصاعد الاقتحامات والاعتقالات وإجراءات الضم، وتتواصل حرب الإبادة الجماعية في غزة، يظهر عباس بصورة متكررة في مراسم رسمية لتقليد السفراء والمسؤولين والشخصيات الوطنية أوسمة تحمل أسماء القدس وياسر عرفات ودولة فلسطين والرئاسة.
وتثير كثافة هذه المراسم تساؤلات حول المفارقة بين واقع سلطة محدودة الصلاحيات، وصف رئيسها نفسه في تصريحات سابقة بأنه يعيش تحت “بساطير الاحتلال”، وبين الإصرار على ممارسة واحدة من أكثر رموز السيادة البروتوكولية ارتباطاً بالدول المستقلة: منح الأوسمة والنياشين والقلائد.
محمود عباس ويكيبيديا
بحسب رصد للبيانات الرسمية الصادرة عن الرئاسة منذ بداية عام 2026، نفذ عباس ما لا يقل عن 15 عملية منح أو تقليد أوسمة وتكريمات لشخصيات فلسطينية وعربية ودولية ومؤسسات مختلفة، لتتحول مراسم التكريم إلى أحد أكثر الأنشطة الرئاسية حضوراً في المشهد الإعلامي للسلطة.
وشملت قائمة المكرمين سفير جمهورية مصر العربية إيهاب سليمان، الذي قلده عباس “نجمة القدس من وسام القدس” بمناسبة انتهاء مهام عمله، تقديراً لما وصفته الرئاسة بدوره في تعزيز علاقات التعاون بين مصر وفلسطين.
وقلد عباس كذلك ممثل الاتحاد الأوروبي لدى فلسطين السفير ألكسندر شوتسمان “نجمة القدس من وسام القدس”، في استمرار لاستخدام الأوسمة الرئاسية كجزء من الوداع الرسمي للمبعوثين والدبلوماسيين الأجانب.
كما منح عباس الاقتصادي الفلسطيني منيب المصري “النجمة الكبرى من وسام القدس”، وقلد عدداً من المؤسسين في اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين أوسمة الثقافة والعلوم والفنون.
ومنح عباس عائلة الراحل أحمد عبد الرحمن “نجمة يبوس من وسام الرئيس ياسر عرفات”، فيما حصل رئيس مكتب تمثيل الولايات المتحدة المكسيكية بيدرو بلانكو بيريز على “نجمة الصداقة من وسام الرئيس محمود عباس”.
وشملت القائمة أيضاً القنصل العام الفرنسي في القدس نيكولا كاسيانيدس، الذي حصل على نجمة القدس من وسام القدس، إلى جانب المهندس المغربي أحمد البيّاز الذي منحه عباس “نجمة يبوس من وسام الرئيس ياسر عرفات”.
كما منح عباس مؤسسة “حماة الفتح” درع دولة فلسطين، وقلد القائد الوطني الراحل قدري أبو بكر “نجمة الاستحقاق من وسام دولة فلسطين”، ومنح مؤسسة ومديرة مركز الطفل السعيد الفلسطيني جمانة عودة الوسام نفسه.
وحصل رئيس مكتب جمهورية الصين الشعبية تسنغ جيشين على “نجمة الصداقة من وسام الرئيس محمود عباس”، فيما كرم عباس المدير العام السابق للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بدر السعد تقديراً لدوره في دعم المشاريع التنموية.
وامتدت مراسم التكريم إلى الداخل الفلسطيني أيضاً، حيث منح عباس محمد سعيد بركة، الرئيس السابق للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في أراضي عام 1948، “قلادة الكنعانيين الكبرى من وسام الرئيس محمود عباس”.
مخزون واسع من الرموز والألقاب التكريمية
يبدو لافتاً في هذه القائمة حجم التنوع الكبير في الأوسمة المستخدمة، من “نجمة القدس” إلى “نجمة يبوس” و”نجمة الاستحقاق” و”نجمة الصداقة” و”النجمة الكبرى” و”قلادة الكنعانيين الكبرى”، بما يمنح مؤسسة الرئاسة مخزوناً واسعاً من الرموز والألقاب التكريمية، رغم غياب أبسط مظاهر السيادة الوطنية الكاملة التي يفترض أن تستند إليها مؤسسة الدولة.
ويظهر ذلك أن عباس، الذي أمضى سنوات طويلة في رئاسة السلطة من دون انتخابات رئاسية جديدة، يمارس صورة الرئاسة أكثر مما يمارس مضمونها، في ظل محدودية قدرة السلطة على التحكم بالحدود والمعابر والمجال الجوي والموارد الطبيعية، وحتى حركة المسؤولين أنفسهم داخل الضفة الغربية.
وتزداد هذه المفارقة وضوحاً عند مقارنة مراسم منح الأوسمة بالواقع اليومي للفلسطينيين، حيث تستطيع القوات الإسرائيلية اقتحام المدن والمخيمات الواقعة اسمياً ضمن مناطق إدارة السلطة، وتنفيذ عمليات اعتقال واغتيال ومصادرة أراضٍ، بينما تبدو مؤسسات الرئاسة منشغلة بإنتاج صور المراسم الرسمية والاستقبالات والوداع وتقليد النياشين.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن التكريم الوطني للشخصيات الفلسطينية أو العربية أو الدولية لا يحمل قيمة رمزية، غير أن هذه المراسم تحولت إلى واحدة من أبرز صور ممارسة “السيادة” المتاحة للرئاسة في واقع سياسي فقدت فيه السلطة القدرة على ترجمة شعارات الدولة إلى نفوذ حقيقي على الأرض.
ويعكس اختيار بعض أسماء الأوسمة مفارقة إضافية، إذ تمنح “نجمة القدس” في وقت لا تستطيع السلطة ممارسة أي سلطة فعلية في المدينة المحتلة، بينما تستخدم ألقاب “وسام دولة فلسطين” رغم أن المشروع السياسي الذي قامت عليه السلطة لم ينجح، بعد أكثر من ثلاثة عقود على اتفاق أوسلو، في فرض دولة فلسطينية ذات سيادة وحدود مستقلة.
كما يمنح “وسام الرئيس محمود عباس” بعداً شخصياً إضافياً لمؤسسة الأوسمة، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات لهيمنة الرئيس على المؤسسات الفلسطينية، واستمرار غياب الانتخابات العامة وتجدد أزمة الخلافة داخل حركة فتح والسلطة.
وبينما تتآكل القدرة السياسية للسلطة على التأثير في الوقائع التي يفرضها الاحتلال، تتضخم مساحة البروتوكول الرئاسي في المشهد الرسمي، ليصبح الوسام بديلاً رمزياً عن السيادة، والصورة التذكارية بديلاً عن القدرة على فرض القرار.
وهكذا، يظهر عباس أمام الكاميرات وهو يقلد شخصيات مختلفة أوسمة تحمل أسماء القدس وفلسطين وياسر عرفات، في وقت لا تزال فيه السيادة على القدس والحدود والمجال الجوي والمعابر خارج يد السلطة التي يرأسها.
وتختصر هذه المفارقة جانباً من أزمة النظام السياسي الفلسطيني: رئاسة تملك خزانة ممتلئة بالأوسمة، لكنها لا تملك سيادة فعلية على الأرض؛ وسلطة تستطيع منح “نجمة القدس”، لكنها لا تستطيع الوصول إلى القدس أو حمايتها؛ ورئيس يكرر طقوس الدولة وبروتوكولاتها، فيما يعيش الفلسطينيون واقعاً تتحكم فيه “بساطير الاحتلال” بكل تفاصيل السيادة الفلسطينية.






