تحليلات واراء

المدعو أكرم عطالله يكشف عن وجهه القبيح ويفضح عصابات المصالح

في مشهد جديد يكشف عمق الأزمة التي تعيشها بعض الدوائر التي تقدم نفسها بوصفها «نخبة» سياسية وثقافية فلسطينية، خرج المدعو أكرم عطالله بمقال حمل عنوان «حماس وحملة التشويه… أخلاق الفرسان!»، متذرعاً بما قال إنها حملة استهدفته، قبل أن يتحول مقاله سريعاً إلى هجوم سياسي وأخلاقي شامل على حركة حماس، مستخدماً لغة مشحونة بالتعميم والاتهامات، ومحملاً الحركة بصورة مباشرة مسؤولية المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة.

وبينما من حق أي كاتب أن يرفض الانتقادات الموجهة ضده، فإن المقال أثار تساؤلات واسعة حول التناقض بين الدعوة إلى «أخلاق الفرسان» في الاختلاف، وبين استخدام خطاب سياسي يتجاوز النقد إلى رسم صورة كلية للخصم باعتباره مسؤولاً عن كل ما أصاب غزة من دمار وفقدان ومآسٍ.

وسرعان ما امتد ما كشفته القضية إلى “عصابات المصالح” التي سارعت إلى الدفاع عن عطا الله، تحت شعارات حرية الرأي ورفض التشهير، متجاهلة في الوقت نفسه حق الآخرين في تفكيك أفكاره ومساءلة مواقفه السياسية ونقد خطابه.

من واقعة شخصية إلى اتهام سياسي شامل

يفتتح عطالله مقاله بسؤال: «ما الذي يجعل تنظيماً كبيراً مثل حركة حماس يشن حملة ضد كاتب؟»، وهي صياغة تحمل في ذاتها افتراضاً مسبقاً بأن الحركة، بوصفها تنظيماً سياسياً، تقف وراء الحملة التي يقول إنه تعرض لها.

لكن المقال لا يقدم أي أدلة واضحة تثبت الصلة التنظيمية المباشرة بين حركة حماس وبين الصفحات أو الأشخاص الذين يتحدث عنهم.

وسرعان ما ينتقل الكاتب من الحديث عن واقعة شخصية إلى إطلاق أحكام واسعة على تاريخ الحركة وطبيعتها السياسية، متحدثاً عن مفهومها للخلاف، ومستدعياً أحداثاً واتهامات تمتد عبر سنوات طويلة.

وبذلك يتحول المقال من محاولة لإثبات تعرض كاتبه لحملة تشويه إلى بناء سردية كاملة تقدم حماس باعتبارها حركة لا تعرف الاختلاف إلا عبر التخوين والتشهير والبطش.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية: النقد السياسي مشروع، ومحاسبة أي حركة أو قيادة فلسطينية حق لا يمكن مصادرته، لكن تحويل تجربة شخصية إلى اتهام شامل لحركة كاملة يتطلب أدلة أكثر صلابة من مجرد الربط بين وقائع متفرقة.

لغة الإهانة بدلاً من لغة التحليل

تكشف لغة المقال عن طبيعة خطابه السياسي، فبدلاً من مناقشة سياسات محددة أو قرارات بعينها، يستخدم عطالله سلسلة من الصفات المشحونة، مثل «الدونية» و«الانحطاط» و«الإسفاف» و«بطش حماس» و«ثقافة الكراهية» و«التخوين والتكفير».

ويصل الأمر إلى وصف الحركة بأنها «تصر على أن تحكمه بأسنانها وأظافرها». فمثل هذه اللغة لا تقدم تحليلاً سياسياً بقدر ما تسعى إلى صناعة صورة أخلاقية منفرة للخصم. فبدلاً من دعوة القارئ إلى تقييم الوقائع والسياسات والقرارات، يتم دفعه إلى تكوين موقف عاطفي وأخلاقي مسبق.

وهنا تظهر مفارقة لافتة: كيف يمكن لكاتب أن يحتج على حملات التشويه، ثم يستخدم هو نفسه لغة تتجاوز نقد الخصم السياسي إلى توصيفه بصورة كلية باعتباره كياناً فاقداً للأهلية الأخلاقية؟.

من المسؤول عن دم غزة؟

أخطر ما ورد في مقال عطالله يتعلق بإعادة توجيه المسؤولية عن المأساة التي يعيشها قطاع غزة.

فهو يقول إن الحركة «أوصلته إلى الخيام وتسببت بفقدانه البيت والولد»، ويتحدث عن «الحركة التي أوصلت غزة لهذا الدمار»، ويصفها بأنها «طعنت شعبنا» و«تسببت بطيشها في كسر روحه».

وبهذه اللغة، تصبح حماس الفاعل المركزي في مأساة فقدان الفلسطينيين للبيوت والأبناء والوطن رغم أن ثمة فارقاً جوهرياً بين مساءلة القرار الفلسطيني وبين تمييع مسؤولية الطرف الذي نفذ القتل والقصف والتدمير فعلياً.

فمن حق الكاتب أن ينتقد السابع من أكتوبر، وأن يرفض سياسات حماس، وأن يعتبرها مسؤولة عن حسابات سياسية خاطئة، لكن تحويل الحركة إلى المسؤول الأول عن القبور والخيام والدمار يثير أسئلة حول طبيعة الخطاب الذي يتم إنتاجه، وحدود الفصل بين المسؤولية السياسية والمسؤولية المباشرة عن الجرائم والتدمير.

سردية تاريخية قائمة على الإيحاء

يذهب المدعو أكرم عطالله إلى أبعد من ذلك عندما يتحدث عن «التيار الإسلامي منذ نشأته»، ويربطه بفكرة استخدامه لضرب المشروع الوطني الفلسطيني.

ثم يضع في سلسلة واحدة سياسات دولة الاحتلال الإسرائيلي في ثمانينيات القرن الماضي، واتفاق أوسلو، والانقسام الفلسطيني، والأموال التي دخلت غزة، وصولاً إلى ما يسميه «استخدامها الحالي بهدف مسح غزة وتهجير سكانها».

ويمثل ذلك أطروحة تاريخية شديدة الخطورة. فإذا كان المقصود أن حماس أو التيار الإسلامي كان جزءاً من مشروع متصل أدى إلى ما يجري اليوم في غزة، فإن مثل هذا الادعاء يحتاج إلى وثائق وأدلة واضحة تثبت علاقات السببية، لا إلى وضع أحداث متباعدة جنباً إلى جنب وترك القارئ يستنتج وجود مشروع واحد يربط بينها.

والأكثر خطورة أن الحديث عن «استخدامها الحالي» يفتح الباب أمام إيحاء بأن الحركة أصبحت أداة في المشروع الذي يستهدف غزة، وهو اتهام سياسي بالغ الخطورة لا يمكن تقديمه من دون إثبات.

بموازاة ذلك سارعت شخصيات تقدم نفسها بوصفها جزءاً من النخبة الحقوقية والثقافية الفلسطينية إلى الدفاع عنه، وفي مقدمتها المدعو صلاح عبد العاطي، الذي كتب أن «حق النقد وإبداء الرأي مكفول»، وأن القاعدة الأخلاقية تقتضي «مناقشة الفكرة بالحجة، لا استهداف صاحبها بالتخوين أو التشهير أو التحريض».

وادعى عبدالعاطي أن حماية حق الاختلاف شرط لحماية المجتمع، وأن رفض حملات التشويه والقذف وثقافة الكراهية هو دفاع عن حق الفلسطيني في التعبير والنقد دون ترهيب أو انتقام أو «اغتيال معنوي».

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل حماية حق الاختلاف تعني حماية المدعو أكرم عطالله من النقد، أم أنها تعني أيضاً حماية حق الآخرين في نقد أكرم عطالله نفسه؟ فحرية الرأي ليست امتيازاً يمنح لشخص دون آخر، ولا يمكن استخدامها كدرع يمنع مساءلة الكاتب أو تفكيك خطابه السياسي.

كما أن من يطالب بمناقشة الأفكار بالحجة، عليه أن يقبل بأن أفكاره هو أيضاً قابلة للنقد بالحجة.

فمن غير المقبول توزيع تهم الخيانة والعمالة والانحراف أو التحريض ضد أي شخص بسبب رأيه. لكن في الاتجاه المقابل، لا يجوز تحويل رفض خطاب الكراهية إلى وسيلة لمنع النقد السياسي أو إسكات الأصوات المخالفة.

كما أن الاعتراض على مقال أكرم عطالله، أو تفنيد تناقضاته، أو مساءلة لغته وسرديته السياسية، لا يمثل «اغتيالاً معنوياً»، ما دام يتم بالحجة والوقائع.

وهنا تكشف القضية عن مشكلة أعمق لدى بعض الشخصيات التي تتحدث باسم «النخبة»: الدفاع عن المبادئ يصبح أحياناً انتقائياً، إذ ترتفع الأصوات دفاعاً عن حرية التعبير عندما يتعلق الأمر بأصدقاء الدائرة نفسها، بينما يتحول النقد إلى «تشهير» عندما يستهدف أحد أفرادها.

لقد أخرجت هذه القضية كثيراً من الخبث السياسي الكامن خلف شعارات النخبة والمبادئ، وكشفت شبكة من المصالح والعلاقات المتبادلة التي تدفع بعض الأشخاص إلى حماية بعضهم البعض، حتى عندما تكون مواقفهم وخطاباتهم نفسها بحاجة إلى مساءلة جادة.

وإذا كان عطالله يطالب بـ«أخلاق الفرسان»، فإن أول هذه الأخلاق هو قبول النقد وعدم تحويل حرية الرأي إلى حصانة شخصية. أما حماية حق الاختلاف الحقيقي، فتعني حماية الجميع: من حق الكاتب أن يكتب، ومن حق الآخرين أن يردوا عليه، ويفككوا منطقه، ويكشفوا تناقضاته، ما دام الجميع يلتزمون بالحجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى