سلطة رام الله بين وهم السيادة المزعومة والخشية من المحاسبة بالانتخابات

لا يزال الجدل بشأن تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر المقبل بموجب مرسوم أصدره رئيس سلطة رام الله محمود عباس، يخيم على الساحة الفلسطينية في وقت تركز الانتقادات على السلطة التي ظهرت مجددا بين وهم السيادة المزعومة والخشية من المحاسبة بالانتخابات
وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، باسم الزبيدي، إن مرسوم تأجيل الانتخابات التشريعية وتحديد 11 سبتمبر/أيلول 2027 موعداً جديداً لإجرائها وللانتخابات الرئاسية معاً، لم يكن مفاجئاً، بعدما أصبح تأجيل الاستحقاق الانتخابي قاعدة لا استثناء.
وأبرز الزبيدي أن قيادة السلطة بررت القرار بالظروف غير المواتية في القدس الشرقية المحتلة والضفة الغربية وقطاع غزة، وبمنع الاحتلال الإسرائيلي دخول المواد الانتخابية والمراقبين الدوليين إلى القطاع.
وأوضح أن هذه المبررات صحيحة جزئياً، لكنها تدين الجهة التي تستند إليها، لأن الظروف المشار إليها ليست طارئة على الحالة الفلسطينية، بل جزء من بنيتها السياسية والأمنية.
وقال إن سلطات الاحتلال لن تسمح فجأة بفتح القدس المحتلة أمام الاقتراع، كما أن غزة لن تتعافى من الحصار والدمار خلال بضعة أشهر، ولن يتوقف الضم في الضفة الغربية خلال عام واحد.
واعتبر أن أسباب التأجيل بنيوية، ولذلك لن يحلها الانتظار، مشيراً إلى أن الموعد الجديد ليس سوى تأجيل آخر يضاف إلى عقدين مضيا منذ آخر انتخابات تشريعية عام 2006.
سلطة توهم بالسيادة
رأى الزبيدي أن ما لا يُقال بصراحة هو أن الانتخابات في الحالة الفلسطينية “مشوهة من أساسها”، لأنها تعكس وضعاً ملتبساً؛ فلا الفلسطينيون يعيشون في دولة ذات سيادة، ولا الاحتلال يُسمّى باسمه، بل يُدار من خلال سلطة توهم بالسيادة.
ونبه إلى أن الانتخابات في الدول الديمقراطية تمثل وسيلة للمساءلة، يقف فيها الحاكم أمام الناخبين، وتتنافس البرامج على خدمة المواطنين، ويسعى المرشحون إلى اكتساب الشرعية.
أما في الحالة الفلسطينية، فقال إن المعادلة انقلبت، إذ تستدعى الانتخابات عندما تحتاج النخب شبه المسيطرة إلى تجديد شرعية بقائها، وتؤجل عندما تخشى تحولها إلى أداة لمحاسبتها.
وأضاف أن الناخبين الفلسطينيين عوقبوا مرتين بعد انتخابات عام 2006 التي فازت بها حركة حماس بالغالبية البرلمانية، الأولى بالحصار من الخارج، والثانية بالانقسام من الداخل. وقال إن الوضع لم يتغير منذ ذلك الحين، بل ازداد صعوبة، بعدما استنفد مشروع التسوية نفسه ووصل إلى طريق مسدود.
وأشار إلى أن برنامج حركة فتح تمثل في اتفاق أوسلو، وانتهى إلى سلطة بلا سيادة واستيطان بلا حدود، لافتا إلى أنه عندما تفشل البرامج، يبقى التنظيم قائماً بلا مضمون، وينتقل من الدفاع عن برنامجه إلى الدفاع عن بقائه.
وقال إن التنظيم أصبح غاية بعد أن كان وسيلة، وصار كل طرف يستمد بقاءه من مصادر لا علاقة لها بصناديق الاقتراع؛ من الاعتراف الدولي والتمويل والتنسيق الأمني في جانب، ومن السيطرة على الأرض والسلاح في الجانب الآخر.
وأضاف أن فتح احتكرت نهج التفاوض ورفضت ما سواه، معتبرا أن ذلك يمثل امتدادا لتقليد رافق الحركة الوطنية الفلسطينية، حين انشغلت التنظيمات بإثبات تمثيلها للشعب، فأصبح التمثيل شرطاً يسبق النضال نفسه.
وقال إن بقاء التنظيم مهما كان ضعيفاً، أصبح أهم من التحرر، بل من الشعب الذي يفترض تحريره، وتحول الفصيل وقادته إلى وطن معنوي، بحيث لم تعد القضية الوطنية تُفهم إلا من خلاله.
جيل فلسطيني كامل من دون انتخابات
أشار الزبيدي إلى أن الفلسطينيين استُبعدوا من صنع القرار ووضع الاستراتيجيات، ولا يُستدعون إلا عند الحاجة، كما يُستدعى الدفاع المدني لإطفاء حريق بعد اندلاعه، من دون أن يسأل أحد لماذا لم يُمنع الحريق أصلاً ولصالح من يجري إطفاؤه.
وأضاف أن جيلاً كاملاً نشأ من دون المشاركة في انتخابات تشريعية، إذ إن كل من ولد بعد عام 1987 لم يدل بصوته فيها قط. وقال إن هذا الجيل ورث القضية من دون أن يُسأل عنها، ولا يرى في الانتخابات المطروحة سوى تكرار للوجوه نفسها والعجز نفسه.
وأكد أن المشكلة لا تكمن في غياب الانتخابات وحده، بل في غياب برنامج وطني متفق عليه، ومؤسسات تمثل الفلسطينيين أينما كانوا، وقيادات تقبل المحاسبة والتغيير، لافتا إلى أن الفصائل الأخرى، التي تراجع حضورها وتقلصت قواعدها تتمسك بالبقاء ولو على هامش المشهد، وتتعامل مع الانتخابات كفرصة لإثبات وجود لم يعد له ما يسنده.
وقال إن هذه الحركات تريد شرعية الانتخابات من دون تحمل مسؤوليتها، وتفويض الناس من دون الخضوع لمحاسبتهم، فيما تتمثل المسؤولية المطلوبة في الإصغاء إلى الشارع، وتجديد القيادات والبرامج، ودمقرطة الفصائل من الداخل، وحماية الشعب الذي يواجه الإبادة.
وختم الزبيدي بالقول إن تعدد الأطر التي يفترض أن تُنتخب، من الفصائل إلى منظمة التحرير والسلطة والحكومة، يضاعف الالتباس حول الجهة التي ستُنتخب ومهمتها وصلاحياتها، في وقت يتحكم الاحتلال فعلياً بالأرض والحدود والمعابر والموارد.
وأضاف أن الانتخابات، بصورتها الحالية، تتحول إلى وهم يزيد الضياع بين واقع الاحتلال الإبادي ووهم السلطة والسيادة المنقوصة، لأن الانتخابات لا تصنع مشروعاً وطنياً، بل تفترض وجوده، وحين يغيب المشروع تصبح بديلاً عنه لا تعبيراً عنه.





