ارتفاع حجم النفقات.. أرقام تفضح الفساد المالي في سلطة رام الله

تكشف أرقام وملاحظات خبراء اقتصاديين وماليين أن الأزمة المالية في سلطة رام الله لم تبدأ فقط بسبب احتجاز الاحتلال الإسرائيلي أموال الضرائب “المقاصة”، رغم أن هذه الأموال تمثل 68% من إجمالي الإيرادات العامة، وتشكل السبب المباشر لتفاقم الأزمة الحالية واقترابها من الانهيار المالي الشامل.
إذ أن الأزمة بدأت قبل ذلك بسنوات، نتيجة عجز مالي متراكم ناتج عن ارتفاع حجم النفقات مقارنة بإجمالي الإيرادات، ما أدى إلى تعميق الدين العام وتراكم المستحقات والالتزامات، ودفع السلطة إلى الاقتراض من مؤسسات محلية وموظفين وقطاع خاص وبنوك.
وتستحوذ فاتورة الرواتب والأجور على نحو 70% من حجم الإنفاق العام، وهي نسبة يصفها الخبراء بالمرتفعة وغير الموجودة في الدول الأخرى، باعتبار أن فاتورة الأجور في أسوأ الظروف تستحوذ على 40 إلى 45% من الإنفاق العام، بينما الأصل ألا تتجاوز 35 إلى 40%.
ويرى الخبراء أن تضخم فاتورة الرواتب ارتبط بالعلاوات والإضافات التي أُقرت على مدار سنوات، وأدت إلى تشويه قانوني الخدمة المدنية والخدمة في قوى الأمن، ويطالبون بإعادة بناء نظام الرواتب على أسس عادلة، وإجراء مراجعة شاملة للقوانين التي سمحت بتراكم الامتيازات والإضافات.
خلل بنيوي عميق في سلطة رام الله
يبرز لدى تحليل الوضع المالي لسلطة رام الله أن قانوني الخدمة المدنية وقوى الأمن يعانيان خللاً بنيوياً يظهر في توزيع قيمة الأجور على المسميات الوظيفية، بحيث أن 25% من الموظفين يحصلون على 75% من الأجور، وهو ما يعكس خللاً هيكلياً وجوهرياً في منظومة الرواتب.
كما أن الفجوة بين المسميات والدرجات الوظيفية اتسعت بصورة غير عادلة، حيث أن الفارق بين درجة مدير «C» والدرجة الرابعة كبير، والدرجات لا تتساوى بين القطاعات الاقتصادية داخل الوظيفة العمومية.
ويبرز مختصون أنه ليس من المنطقي أن يحصل موظف يحمل درجة مدير في السنوات الأولى من عمله على راتب أعلى من مدير مدرسة يمتلك 30 عاماً من التدريس، بسبب القيود التي يفرضها قانون الخدمة المدنية على العاملين في قطاع التربية والتعليم.
يضاف إلى ذلك أن العلاوات المرتبطة بالمهن تمثل كذبة كبيرة، كون أن علاوة المهندسين، على سبيل المثال، لا تشمل المهندسين الزراعيين، فيما يتم مثلا اعتماد علاوة بقيمة 20 شيقلاً للابن الواحد في وقت لا يميز القانون بين عائلة مكونة من ستة أفراد وأخرى مكونة من فردين.
وكان أن قانون الخدمة المدنية أُقر عام 1995، في وقت لم تكن فيه بنية المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية قد تحددت بصورة واضحة، وهو ما ساهم في إنتاج نظام غير منسجم مع طبيعة المؤسسات والأدوار الوظيفية.
تشوهات تراكمية في نظام الرواتب
يبرر مراقبون أن نظام رواتب موظفي القطاع العام في سلطة رام الله، وخصوصاً الشق المدني، يعاني تشوهات تراكمية على مدار 21 عاماً.
ذلك أن قانون الخدمة المدنية أُقر عام 1998، وعُدّل عام 2005، قبل أن تتوالى تعديلات أخرى عبر قرارات بقانون، إلى جانب تعديلات على علاوات طبيعة العمل والاختصاص والمخاطرة، استجابة لضغوط النقابات والاتحادات.
وأدت هذه التعديلات إلى تفاوتات وصلت في بعض الوظائف إلى 200% في قيمة العلاوة بين الوزارات، رغم تطابق المسمى الوظيفي والتخصص والمؤهل العلمي.
ففي إحدى الوزارات تبلغ علاوة طبيعة العمل 30%، بينما تصل في وزارة أخرى إلى 70% للوظيفة نفسها، كما تُصرف علاوة مخاطرة لموظفين إداريين في بعض الوزارات ولا تُصرف لموظفين في وزارات أخرى.
وبحسب مراقبين فإن هذه الفوارق أخلّت بمبادئ الحوكمة والعدالة، ودفعت الموظفين إلى السعي للانتقال إلى الوزارات التي تمنح علاوات أعلى.
ويدعو الخبراء إلى ضرورة إقرار قانون خدمة مدنية جديد، يقوم على المهننة والتحول الرقمي والتميز، ويعتمد سلماً عادلاً للرواتب، ويراعي غلاء المعيشة، ويقلص الفجوات بين الفئات العليا والدنيا، ويعتمد تقييمات موضوعية قائمة على النتائج.
ورغم أن الاستراتيجية القطاعية للخدمة المدنية 2021-2023 نصت على إنجاز قانون جديد، وأشارت إلى إنجاز 90% منه بحلول عام 2021، وإقرار 16 لائحة تنفيذية عام 2022، فإن قانوناً جديداً لم يُقر حتى الآن.
وتقول سلطة رام الله إنها حسّنت إيراداتها، لكنها لم تتمكن من تغطية العجز السنوي المتراكم قبل أزمة المقاصة، فلجأت إلى الاقتراض من هيئة التقاعد والبنوك والموظفين والقطاع الخاص، حتى تجاوزت الديون حجم الناتج المحلي الإجمالي.
وتتراوح الإيرادات العامة بين 26 و27% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 23% في إسرائيل، و15.5% في الأردن، و12.5% في مصر، ما يجعل خفضها ضرورياً لتنشيط الإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل، بدلاً من استخدامها فقط لتغطية فاتورة الرواتب.
ويبلغ متوسط رواتب موظفي السلطة نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 11% كمعدل إقليمي. ووصل عدد موظفي السلطة إلى 155614 موظفاً بنهاية عام 2024، بعدما ارتفعت حصة الضفة الغربية من موظفي الخدمة المدنية من 57% عام 2011 إلى 75.4% عام 2024.
كما ارتفعت ميزانية الرواتب السنوية من 6.4 مليار شيكل عام 2011 إلى 8.4 مليار شيكل عام 2021.
ويعد السبب الرئيسي للزيادة تفاقم فاتورة العلاوات والإضافات، التي لم ترتبط بالأداء المهني أو الدور الوظيفي في ظل تراجع الأداء الحكومي من 43% عام 2011 إلى 29% عام 2020، بينما بلغ متوسط الأداء الحكومي في المنطقة 42%.
وتستحوذ الأجهزة الأمنية على 37% من إجمالي فاتورة الرواتب، والتعليم على 33%، والصحة على 11%. ورغم ذلك، لا يزال قطاع التعليم يعاني نقصاً في رواتب المعلمين وضعفاً في التعليم ما قبل المدرسي، بينما يذهب ثلث ميزانية الصحة إلى التحويلات الخارجية، مع استمرار النقص في العاملين الصحيين ووجود فائض في إدارات أخرى.
ويحذر خبراء من أن الأزمة المالية كانت قائمة قبل احتجاز أموال المقاصة، وأن الاقتراض من صندوق التقاعد وصندوق تعويض مصابي حوادث الطرق والموظفين والقطاع الخاص والبنوك يهدد استقرار النظام الاقتصادي والسيولة ومستقبل المواطنين.
ويطالب هؤلاء بمراجعة قوانين الخدمة المدنية وقوى الأمن والتقاعد العام، وإعادة تقييم حجم القطاع العام وتكاليفه، ومعالجة العلاوات والإضافات وعدد العاملين، بما يجعل قوة العمل الحكومية متناسبة مع الاحتياجات الحقيقية.





