حساب “طفح الكيل” يحمّل خطاب المقاومة مسؤولية أزمة غزة ويتجاهل حرب الإبادة

أثار منشور لحساب “طفح الكيل” التحريضي انتقادات واسعة بسبب تركيزه على تحميل الخطاب الديني وحركة حماس مسؤولية ما يعيشه سكان غزة، من دون أن يتناول في نصه مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي عن الحرب والدمار والتهجير والحصار.
وبينما يطرح المنشور أسئلة عن الحكم والسياسة ومحاسبة القيادات، فإنه يوجّه غضبه إلى المقاومة، ويغيب عنه سؤال أساسي: من الذي شن الحرب، ودمر البيوت، واستهدف المدنيين، وحاصر القطاع؟.
ويقدّم المنشور ما يسميه «مراجعة تجربة غزة» عبر ربط الخطاب الديني بمعاناة السكان، ووضع الشعارات والقرارات السياسية في موضع المساءلة. لكن هذه المراجعة تنتقي زاوية واحدة للأزمة، وتعرض معاناة المواطنين من دون أن تضعها في سياق العدوان الإسرائيلي الذي خلّف القتل والدمار والنزوح. وحين يُستدعى وجع الناس لتوجيه الاتهام إلى طرف فلسطيني وحده، يصبح السؤال عن اكتمال الرواية مشروعًا وملحًا.
أسئلة عن الحكم… وصمت عن مسؤولية الاحتلال
يسأل المنشور: «مين دفع الثمن؟» ثم يستحضر المواطن الذي خسر بيته، والأم التي تهجّرت مع أطفالها، والشاب الذي ضاع مستقبله، والطفل المحروم من حقوقه. إنها معاناة حقيقية لا يجوز التقليل منها أو توظيفها في سجال سياسي.
لكن هذا العرض من دون تسمية الطرف الذي يشن الحرب ويفرض الحصار ويدمر المنازل يجعل الصورة ناقصة، ويحوّل النقاش من مساءلة الاحتلال إلى اتهام المقاومة على خلفية شعاراتها وخياراتها.
كما يختزل المنشور تجربة غزة في علاقة بين حركة حكمت وخطاب ديني ونتائج معيشية قاسية، متجاهلًا أن السكان عاشوا سنوات من الحصار والاعتداءات المتكررة، ثم واجهوا حربًا إسرائيلية واسعة.
أين تضحيات قادة المقاومة وعناصرها؟
في حديثه عن «من دفع الثمن»، لا يتوقف المنشور عند التضحيات التي قدمها قادة وعناصر في المقاومة، أو ما تعرضت له عائلاتهم ومنازلهم خلال الحرب.
ولا تمنح التضحية أي جهة حصانة من النقد أو المحاسبة، لكن تجاهلها عند عرض كلفة الحرب اختزال لا يفي بحجم التجربة. فالحديث عن الخسائر لا يكتمل باستحضار جانب واحد، ولا بتصوير المقاومة كطرف يفرض الأفكار ثم يترك الناس وحدهم أمام النتائج.
أما القول إن «كل قرار بتغطيه الحركة بالدين» لا يصبح صحيحًا، فيطرح مبدأً قابلًا للنقاش، لكنه لا يقدم أمثلة محددة على قرارات بعينها أو أدلة على كيفية تغطيتها دينيًا. وهنا ينتقل المنشور من نقد فكرة عامة إلى تعميمات واسعة عن تجربة حكم كاملة. ومن حق الجمهور أن يسأل عن القرارات والنتائج، لكن الإجابة تحتاج إلى وقائع واضحة، لا إلى عبارات مشحونة توحي بأن الدين أو المقاومة هما أصل معاناة غزة.
حساب طفح الكيل وشبكة أفيخاي
يؤكد مغردون أن الدعوة إلى العقل والنقاش والمحاسبة لا تكون مكتملة إذا انتقدت طرفًا فلسطينيًا وأغفلت الاحتلال الذي يشن الحرب ويدمر مقومات الحياة.
كما أن الدعوة إلى مراجعة الخطاب لا تبرر تصوير تضحيات المقاومين وعائلاتهم كأنها غير موجودة، أو استخدام معاناة المدنيين لإدانة المقاومة وحدها. على حساب «طفح الكيل» أن يوضح لماذا جعل منشوره مسؤولية الحركة محورًا أساسيًا، وأين وضع مسؤولية إسرائيل عن القتل والتهجير والحصار والدمار.
المحاسبة حق للناس، والنقد حق مشروع، لكنهما يفقدان توازنهما عندما تُعرض الوقائع بانتقائية ويُحجب طرف أساسي من المشهد. وإذا كان الهدف فهم تجربة غزة، فلا يكفي السؤال عن الأفكار التي حكمت المجتمع؛ يجب أيضًا تسمية من شن الحرب، ومناقشة قرارات القيادات الفلسطينية، والاعتراف بتضحيات من واجهوا الاحتلال.
أما تقديم أزمة غزة كأنها محاكمة للمقاومة وحدها، فليس مراجعة شاملة، بل رواية مبتورة تستحق النقد والمساءلة.
وفي المحصلة فإن حساب “طفح الكيل” يظهر بوضوح انخراطه في ماكينة الدعاية الإسرائيلية والنشاط المشبوه لشبكة أفيخاي من جهة التحريض على المقاومة وتحميلها مسئولية جرائم الاحتلال في مقابل تبييض صورة الاحتلال ومسئوليته عن حرب الإبادة والتجميع المستمرة في غزة.






