نتنياهو يفضح هشاشة واقع سلطة رام الله المأزومة وارتهانها للخطط الإسرائيلية

فضح حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن “مفاجأة كبيرة” تنتظر سلطة رام الله واقع السلطة المأزومة وارتهانها للخطط الإسرائيلية في ظل افتقادها لأي سيادة حقيقة على الرغم من نهج الذرائع واستمرار التنسيق الأمني “المقدس”.
وقد رفض نتنياهو في مقابلة تلفزيونية قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة اليوم الثلاثاء، توضيح ما إذا كان يقصد تفكيك السلطة، مكتفياً بالقول إنه يفضل “الحيلة والمفاجأة”.
وأبرز الباحث السياسي يونس العموري أن تهديد نتنياهو يكشف حجم المأزق الذي تواجهه سلطة رام الله ومحدودية قدرتها على التأثير في الشروط التي تحكم وجودها، وتعامله مع مستقبل مؤسسة فلسطينية كما لو كان خياراً مطروحاً أمام حكومته، تحدد توقيت تغييره وشكله.
وبحسب العموري، فإن ذلك لا يعني أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قادر على حسم مصير السلطة بقرار منفرد من دون مواجهة تعقيدات داخلية وإقليمية ودولية؛ لكنه يكشف مقدار الاختلال في موازين القوة، وضيق هامش السلطة في حماية مؤسساتها وفرض خطوط حمراء على الاحتلال.
سلطة رام الله وانعدام مقومات الاستقلال والقوة
بحسب العمري تقف سلطة رام الله أمام سؤال لا تستطيع تجاهله: هل تملك من مقومات الاستقلال والقوة ما يسمح لها بمواجهة تهديد وجودها، أم أن استمرارها بات محكوماً بإرادة الحكومة الإسرائيلية، سواء جاء الضغط في صورة قرار معلن أم في سلسلة إجراءات تُفرغ مؤسساتها من القدرة على الحكم؟.
ويقول إن السلطة تعيش مفارقة سياسية ومؤسسية واضحة؛ فهي تمتلك أجهزة وموظفين ومؤسسات، لكنها لا تسيطر فعلياً على الأرض التي تدير شؤون سكانها فيها، ولا على الحدود والموارد والحركة.
كما أنها مطالبة بتوفير الخدمات والحفاظ على الاستقرار، بينما تُقيّد إسرائيل قدرتها على أداء هذه الوظائف، وتواصل اقتحام مناطق نفوذها وتعطيل الحياة فيها. لذلك لا يبدو وصفها بأنها “سلطة بلا سلطة” مجرد شعار احتجاجي، بل تعبيراً عن الفجوة بين شكل الحكم القائم وأدواته الفعلية.
ويشدد العموري على أن تحميل الاحتلال المسؤولية الأساسية عن السيطرة والقيود لا يعفي قيادة السلطة من مراجعة خياراتها. فالسؤال لا يقتصر على ما يفعله الاحتلال الإسرائيلي، بل يشمل ما فعلته السلطة لتقليص ارتهانها للشروط الإسرائيلية، وتعزيز صمود مؤسساتها، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وبناء قدرة شعبية تجعل تهديد وجودها أعلى كلفة على من يطلقه. كما يفرض مساءلتها عن مدى نجاحها في تحويل موقعها الرسمي وعلاقاتها الدولية إلى عناصر قوة فعلية.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
يأتي التهديد الإسرائيلي فيما تواجه السلطة أزمة ثقة داخلية، وانقساماً فلسطينياً مستمراً، ومحدودية في تجديد شرعيتها وتوسيع المشاركة، فضلاً عن أزمات مالية وإدارية.
ويبرز العمري أن هذه الأوضاع تضعف قدرة سلطة رام الله على مواجهة الضغوط، ولا يصح اختزالها في قرارات القيادة وحدها أو تجاهل القيود الإسرائيلية التي ساهمت في إنتاجها؛ لكن لا يجوز أيضاً تحويل الاحتلال إلى تفسير شامل يعفي القيادة من مراجعة نتائج خياراتها.
كما ينبغي عدم التعامل مع تصريح نتنياهو بوصفه دليلاً قاطعاً على اتخاذ قرار بتفكيك السلطة. فقد جاء في سياق انتخابي، يسعى فيه رئيس الحكومة إلى مخاطبة جمهور يميني بخطاب القوة والقدرة على تغيير الوقائع، وسط دعوات من حلفائه إلى إنهاء السلطة.
وقد يكون التلويح وسيلة ضغط أو رداًعاً أو تمهيداً لإجراءات ميدانية وسياسية؛ ولا يثبت التصريح وحده أيّاً من هذه الاحتمالات. لكن الحسابات الانتخابية لا تجعل التهديد أقل خطورة، إذ قد تدفع المنافسة إلى التصعيد وتحويل الوعود إلى خطوات عملية.
وبحسب العموري لا يقتصر الخطر على إعلان حل السلطة رسمياً. فقد يتخذ شكلاً أكثر تعقيداً: بقاء المؤسسات مع تقليص صلاحياتها وقدرتها على الحركة وإدارة الموارد، وتوسيع العمليات العسكرية في مناطق نفوذها. عندها تستمر السلطة في تحمل أعباء الإدارة، فيما تتآكل أدواتها ويتحدد جانب متزايد من مصيرها خارج إرادتها.
ويشدد على أنه أمام هذا الواقع، لا تكفي بيانات الرفض والمناشدات الدبلوماسية، على أهميتها، لمواجهة التهديد. المطلوب مراجعة سياسية مسؤولة، ومصارحة الفلسطينيين بحدود القدرة والمخاطر، وتعزيز المساءلة والمشاركة، وبناء توافق وطني حول وظيفة السلطة وعلاقتها بالاحتلال. فالمفاجأة الأشد قد لا تكون الإجراء الذي يلوّح به نتنياهو، بل انكشاف عجز السلطة عن التأثير في مستقبلها، بعد سنوات من تراكم الأزمة.





