تحليلات واراء

قانون الشركة الوطنية للمحروقات.. تغييب لقواعد الشفافية والمنافسة وترخيص بالاحتكار والفساد

أثار القرار بقانون رقم (25) لسنة 2026 الذي أصدره حديثا رئيس سلطة رام الله محمود عباس، بشأن الشركة الوطنية للمحروقات انتقادات قانونية تتصل بتغييب قواعد الشراء العام والمنافسة، ومنح الشركة احتكاراً واسعاً لقطاع حيوي يمس حياة المواطنين وأسعار السلع والخدمات.

ويقضي القرار بإنشاء شركة مساهمة مملوكة للدولة، تتولى حصرياً استيراد المحروقات والغاز وتخزينهما وتسويقهما ونقلهما وتوزيعهما وبيعهما للمرخص لهم، إلى جانب أنشطة تجارية واستثمارية مرتبطة بالقطاع.

وبحسب قراءة قانونية للقرار قدمها المحامي مهند كراجة، فإن التغيير لا يقتصر على نقل مهام تشغيلية من الهيئة العامة للبترول إلى مؤسسة جديدة، بل يعيد تنظيم قطاع المحروقات، وينقل أنشطة رئيسية من هيئة عامة تخضع للموازنة العامة وقانون الشراء العام إلى شركة تجارية تعمل وفق أنظمة خاصة، من دون نقاش في مجلس تشريعي.

نقل المهام وغموض الصلاحيات

تتولى الهيئة العامة للبترول حالياً توفير المحروقات للسوق الفلسطيني، وهي هيئة عامة تشرف عليها وزارة المالية، وتظهر موازنتها بنداً مستقلاً في الموازنة العامة، فيما تورد إيراداتها إلى الخزينة ويخضع موظفوها لقانون الخدمة المدنية.

أما القرار الجديد، فينقل إلى الشركة مهام الاستيراد والتخزين والبيع والتوزيع، إضافة إلى عقود الهيئة والتزاماتها وأعمالها التشغيلية وموظفي قطاعاتها التشغيلية. ويبقي للهيئة دوراً رقابياً وترخيصياً، لكنه لا يحدد بوضوح الصلاحيات التي ستظل بيدها.

وتشير القراءة إلى أن المادة 14 تلغي من قانون الهيئة كل ما يتعارض مع القرار، من دون تعيين الأحكام المقصودة، كما تلغي عموماً كل نص يتعارض معه وهو ما يثير غموضاً بشأن الجهة صاحبة صلاحية التسعير وإدارة المخزون الاستراتيجي، والجهة التي تُسأل أمام المواطنين عن أداء القطاع.

وتبرز إحدى نقاط الاعتراض في آلية الشراء. فقانون الهيئة لسنة 2023 كان يلزم بشراء المشتقات النفطية عبر لجنة شراء ووفق قانون الشراء العام، بينما يُخضع القرار الجديد مشتريات الشركة لنظام خاص يصدره مجلس الوزراء. وترى القراءة القانونية أن ذلك يخرج أكبر عمليات الشراء في البلاد من قواعد المنافسة والشفافية العامة، ويقلل فرص الرقابة على العقود والإنفاق.

احتكار يهدد المحطات والشركات

بموجب الترتيبات الجديدة، ستشتري محطات الوقود المحروقات من الشركة بدلاً من الهيئة، ما يحول العلاقة، وفق القراءة، من تعامل مع جهة عامة منظمة إلى علاقة تجارية مع شركة تحتكر السلعة. ولن يكون أمام المحطات بديل للتوريد أو منافس يمكن اللجوء إليه للتفاوض على الأسعار أو شروط الدفع والتزويد.

كما يحصر القرار أنشطة النقل والتوزيع والتسويق بالشركة، رغم أن القانون كان يجيز لشركات النقل بالصهاريج والتوزيع والغاز ممارسة أعمالها بترخيص من الهيئة. وتحذر القراءة من أن ذلك قد يقصي هذه الشركات من السوق، ويهدد استثمارات قائمة وفرص عمل مرتبطة بها.

وتضيف أن أموال الشركة تُعد أموالاً عامة، وأن تحصيل ديونها يجري وفق قانون تحصيل الأموال الأميرية، بما يتيح الحجز الإداري من دون المرور بالقضاء العادي. وبذلك، بحسب القراءة، يتعامل أصحاب المحطات مع شركة تجارية، لكنها تستخدم أدوات الدولة لتحصيل مستحقاتها.

كما يعفي القرار الشركة من الضرائب والرسوم، في حين يواصل منافسوها في الأنشطة المرتبطة دفعها، ما يخل بتكافؤ الفرص.

اعتراضات دستورية وأسئلة عن الضرورة

تثير القراءة القانونية عدة اعتراضات دستورية. فالمادة الخامسة تجعل وزير المالية رئيساً لمجلس إدارة الشركة ووزير النقل عضواً فيه، بينما تمنع المادة 80، الفقرة الثانية، من القانون الأساسي الوزير من عضوية مجلس إدارة أي شركة طوال مدة توليه الوزارة.

كما أن موازنة الشركة يقرها مجلس الوزراء، خلافاً لما تراه القراءة من مقتضى المادة 60 بشأن تنظيم الموازنة العامة، في حين كانت موازنة الهيئة مدرجة ضمن الموازنة العامة.

وتُثار كذلك مسألة إخضاع صرف المال العام لنظام يصدره مجلس الوزراء، بدلاً من قانون يحدد إجراءاته، استناداً إلى المادة 89. وترى القراءة أن حصر النقل والتوزيع والتسويق بالشركة يمس حرية النشاط الاقتصادي التي تكفلها المادة 21.

ويطرح إصدار القرار بقانون تساؤلاً بشأن شرط الضرورة الوارد في المادة 43 من القانون الأساسي، التي تجيز إصدار القرارات بقوانين في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير. فالديباجة، وفق القراءة، تشير إلى قرار لمجلس الوزراء بإنشاء الشركة صدر عام 2025، وإلى مشروع قانون قدمه المجلس في 22 سبتمبر/أيلول 2026، ما يثير تساؤلات عن مدى توافر حالة الاستعجال.

وتخلص القراءة القانونية إلى أن القرار ينقل قطاعاً حيوياً من هيئة تخضع للموازنة العامة والشراء العام والرقابة إلى شركة تحتكر أنشطته الرئيسية وتعمل وفق أنظمة خاصة، وهو ما يستدعي تسريع جهود الطعن الدستوري والإداري في القرار بقانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى