من وعد بلفور إلى وثيقة عباس–بيلين: وعود متبدلة وحقوق فلسطينية مؤجلة

بينما منح وعد بلفور عام 1917 دعماً بريطانياً لإقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، تاركاً حقوق السكان الفلسطينيين في صيغة مقتضبة تقتصر على الحقوق المدنية والدينية، ظهرت بعد نحو ثمانية عقود وثيقة عباس–بيلين بوصفها مسودة تفاهم غير رسمية بين محمود عباس، وكان مسؤولاً في منظمة التحرير، ووزير الخارجية الإسرائيلي السابق يوسي بيلين.
وعلى مدار السنوات اللاحقة منذ وعد بلغور جرى بين المحطتين مسار طويل من الوعود والتفاوض، لم يفضِ إلى دولة فلسطينية مستقلة، فيما تتواصل السيطرة الإسرائيلية على الأرض وتتفاقم أوضاع الفلسطينيين.
وقد نص وعد بلفور على أن الحكومة البريطانية تؤيد إنشاء «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، شريطة ألا يُنتقص من الحقوق المدنية والدينية لـ«الجماعات غير اليهودية» القائمة هناك.
لكن الإعلان لم يسمِّ الأغلبية العربية الفلسطينية شعباً صاحب حقوق سياسية أو وطنية، ولم يوضح آلية تضمن مشاركتها في تقرير مصير البلاد. هكذا رسّخ النص تفاوتاً في الاعتراف: وعدٌ قومي واضح لطرف، وضمانات عامة ومحدودة للطرف الآخر.
وثيقة عباس–بيلين
أما وثيقة عباس–بيلين، المؤرخة في أكتوبر 1995، فلم تكن اتفاقاً رسمياً ملزماً أو وثيقة اعتمدها الطرفان، بل مسودة غير رسمية لمفاوضات بين شخصيتين سياسيتين.
ومع ذلك، تتيح بنود الوثيقة قراءةً لحدود التسوية التي طُرحت في تلك المرحلة، حيث تصورت قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس، لكن ضمن حدود متفق عليها، مع ترتيبات أمنية انتقالية وإبقاء قوة إسرائيلية محدودة ووحدات إنذار مبكر حتى عام 2007، أو إلى حين التوصل إلى اتفاقات أمنية مع أطراف عربية.
كما تناولت القدس المحتلة عبر مدينة موحدة إدارياً، مع سيادة إسرائيلية على الجزء الغربي وفلسطينية على الجزء الشرقي، فيما طُرح تنفيذ عودة اللاجئين داخل الدولة الفلسطينية وتعويضهم.
وتكشف هذه الصيغة عن مفارقة سياسية، تقوم على انتقال من تجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية في وعد بلفور إلى الاعتراف النظري بدولة فلسطينية في مسودة التسوية، لكن مع قيود أمنية وحدود تفاوضية بقيت تفاصيلها معلقة.
ويمسّ حصر عودة اللاجئين داخل الدولة الفلسطينية جوهر حق العودة، فيما لم تُنهِ الترتيبات المقترحة السيطرة الأمنية الإسرائيلية فوراً.
محمود عباس ويكيبيديا
تكمن المشكلة الأوسع في المسار الذي مثّله نهج التسوية، وفي حصيلته بعد أكثر من عشرين عاماً على انتخاب عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية عام 2005.
إذ لم تُجرَ انتخابات رئاسية منذ ذلك الحين، كما أُجلت الانتخابات العامة التي كانت مقررة عام 2021. وبذلك، تراجعت قدرة المؤسسات الفلسطينية على تجديد شرعيتها عبر الاقتراع، بينما استمر اعتماد السلطة على مفاوضات لم تنتج سيادة كاملة أو وقفاً للاستيطان.
وتتواصل في الضفة الغربية القيود على الحركة والاعتداءات الاستيطانية وعمليات التهجير. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن أكثر من 6400 فلسطيني، بينهم أكثر من 3100 طفل، نزحوا في سياق عمليات الهدم وعنف المستوطنين منذ مطلع 2023 وحتى نهاية أغسطس 2026، فيما أُفرغت عشرات التجمعات السكانية بالكامل.
وفي غزة، خلّفت الحرب دماراً واسعاً وأزمة إنسانية مستمرة، رغم وقف إطلاق النار. وقالت الأمم المتحدة في أكتوبر 2026 إن نحو 1.8 مليون شخص يعيشون في مواقع نزوح، وإن الاحتياجات إلى المأوى تفوق بكثير ما يتاح، وسط قيود على دخول مستلزمات الإيواء.
ولا تمحو هذه الوقائع مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي عن الحرب والقيود، لكنها تبرز عجز قيادة السلطة الفلسطينية عن بلورة استراتيجية وطنية موحدة تملك أدوات التأثير في مصير القطاع والضفة.
وعليه فمن بلفور إلى مسودة عباس–بيلين، تبدلت لغة التعامل مع القضية الفلسطينية من إعلان استعماري يختزل الفلسطينيين إلى جماعات ذات حقوق مدنية ودينية، إلى وثيقة تفاوضية تعترف بدولة، لكنها تُبقي قضايا السيادة واللاجئين والأمن معلقة أو مقيدة.
وبعد عقود من مسار التسوية، لا تزال الدولة الفلسطينية غائبة، والضفة مجزأة، وغزة منكوبة، والتمثيل السياسي يعاني أزمة شرعية. وهذه حصيلة تضع نهج عباس أمام سؤال صعب: ما قيمة التفاهمات إذا لم تحوّل الاعتراف النظري بالحقوق إلى واقع، ولم تمنع تآكل الأرض والقدرة الفلسطينية على تقرير المصير؟.





