تحليلات واراء

ياسر عباس وملف العقارات: كيف تبخرت مليارات منظمة التحرير في لبنان؟

كشف قيادي في منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عن معلومات خطيرة تتعلق بمصير آلاف العقارات التي كانت تملكها المنظمة خارج حدود المخيمات الفلسطينية، مؤكدًا أن معظم هذه الممتلكات جرى بيعها خلال السنوات الماضية في عملية وُصفت بأنها تمت بعيدًا عن أي رقابة مالية أو شفافية مؤسسية.

وتضع المعطيات المبلغ عنها نجل رئيس السلطة الفلسطينية، ياسر عباس، في قلب هذا الملف بوصفه المشرف المباشر والمنفذ الفعلي لعمليات البيع.

وبحسب القيادي، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، فإن هذه العقارات كانت مسجلة تاريخيًا بأسماء شخصيات لبنانية ارتبطت بعلاقات سياسية ومالية مع منظمة التحرير منذ عقود.

ومع وفاة عدد من هؤلاء، بدأت عمليات “تسوية” مع الورثة، أُنجزت على مراحل، وانتهت ببيع الجزء الأكبر من الممتلكات المتبقية. هذه العملية جرت من دون إعلان رسمي، ومن دون نشر قوائم بالأملاك أو بأسعار البيع أو بالجهات التي آلت إليها.

منظمة التحرير ويكيبيديا

أكد القيادي في منظمة التحرير أن ياسر عباس تولى إدارة الملف بشكل مباشر، بصفته ممثلًا خاصًا لوالده، رئيس السلطة الفلسطينية، وتدخل في تفاصيل البيع والتفاوض، مشيرًا إلى أن الإشراف لم يكن إداريًا أو تنسيقيًا، بل تنفيذيًا كاملاً.

وأوضح أن قرارات البيع لم تمر عبر أطر منظمة التحرير المعروفة، ولم تُعرض على لجان مالية أو هيئات رقابية داخلية، ما حوّل ملفًا سياديًا إلى شأن عائلي مغلق.

وتقدّر مصادر داخل المنظمة أن الأموال المتحصلة من بيع هذه العقارات تصل إلى مئات الملايين، وربما مليارات الدولارات، إذا ما أُخذ بعين الاعتبار عدد العقارات ومواقعها الاستراتيجية في مدن لبنانية رئيسية.

ومع ذلك، لا توجد أي بيانات رسمية توضح حجم العائدات، ولا مكان إيداعها، ولا أوجه إنفاقها، في ظل صمت كامل من رئاسة السلطة وقيادة منظمة التحرير.

ونفى القيادي صحة الرواية التي رُوّج لها سابقًا حول أن بيع الممتلكات يهدف إلى معالجة الأزمة المالية الخانقة التي تعانيها السلطة الفلسطينية.

وأكد أن هذا التبرير لم يكن سوى غطاء سياسي وإعلامي، بينما الواقع يشير إلى أن الأموال لم تُضخ في خزينة السلطة، ولم تنعكس على رواتب الموظفين أو على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

فساد السلطة الفلسطينية

أوضح القيادي في منظمة التحرير أن عمليات البيع جاءت ضمن تفاهمات سياسية وأمنية أوسع مع السلطات اللبنانية، تتعلق بتصفية ملفين حساسين: العقارات الفلسطينية خارج المخيمات، والسلاح الفلسطيني في لبنان.

وبحسب هذه الرواية، فإن تصفية الأملاك كانت جزءًا من ثمن سياسي لتسويات أمنية، أُديرت بعيدًا عن المؤسسات الفلسطينية، وبلا أي تفويض وطني.

ويشير القيادي إلى أن ياسر عباس لا يعمل منفردًا، بل يدير الملف بالتنسيق مع قائد جهاز الأمن الوطني الفلسطيني اللواء إبراهيم خليل.

ولفت إلى أن الرجلين ينفذان زيارات متكررة إلى لبنان، ويقيمان في فنادق فخمة من فئة خمس نجوم، في مشهد يتناقض بشكل صارخ مع الخطاب الرسمي حول الضائقة المالية والعجز عن دفع الرواتب.

ويعيد هذا الملف فتح الأسئلة القديمة حول إدارة أموال منظمة التحرير، التي تُعد ملكًا جماعيًا للشعب الفلسطيني، ويفترض أن تُدار وفق قواعد الشفافية والمساءلة.

غير أن ما جرى في لبنان، وفق المعطيات المتداولة، يعكس نمطًا متكررًا من تركيز السلطة المالية بيد دائرة ضيقة مرتبطة مباشرة بعائلة الرئيس، بعيدًا عن أي رقابة أو محاسبة.

وتتزايد داخل أوساط فلسطينية، خاصة في الشتات، المطالب بفتح تحقيق مستقل في ملف العقارات، وتشكيل لجنة مالية وقضائية لكشف حجم الأملاك التي بيعت، والأسعار التي قُدّرت بها، والجهات التي استفادت من العائدات.

كما ترتفع الأصوات المطالبة بمساءلة ياسر عباس باعتباره شخصية غير منتخبة، لا تشغل أي موقع رسمي في منظمة التحرير، لكنها تدير واحدًا من أخطر ملفاتها المالية.

وتكشف قضية العقارات في لبنان طريقة إدارة منظمة التحرير نفسها، وكيف تحوّلت من كيان تمثيلي إلى بنية مغلقة تُدار بالقرابة والثقة الشخصية. ومع استمرار الصمت الرسمي، تتكرس القناعة بأن ما جرى من نهب منظم لأصول وطنية، تم تحت غطاء السلطة، وبعيدًا عن أعين الشعب الذي يُفترض أن هذه الأموال تخصه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى