تحليلات واراء

هل يقترب الاحتلال من مرحلة تفكيك الخط الأصفر والاستغناء عن شبكات التجسس؟

تشير التحولات الميدانية والأمنية الجارية في قطاع غزة إلى تغير تدريجي في نموذج السيطرة الذي اعتمد عليه الاحتلال الإسرائيلي خلال العامين الماضيين من حرب الإبادة، خاصة في ما يتعلق بالاعتماد على شبكات التجسس المحلية وما يُعرف أمنيًا بالخط الأصفر.

ويأتي هذا التحول في سياق أوسع من إعادة التقييم العسكري والأمني التي فرضتها كلفة الحرب، وتعقيدات السيطرة داخل بيئة حضرية مقاومة، وتراجع فاعلية الأدوات الاستخبارية التقليدية.

وفي هذا السياق، يشار إلى تفكيك محور نتساريم — الذي جرى مطلع فبراير 2025، بعد سيطرته عليه لأكثر من عام وثلاثة أشهر، بوصفه مؤشرًا مبكرًا على هذا التحول، لا باعتباره الحدث المركزي الراهن.

فالمحور كان يمثل أحد أبرز نماذج السيطرة الميدانية القائمة على الفصل الجغرافي وإدارة المجال السكاني أمنيًا واستخباريًا في قطاع غزة، وهو النموذج الذي بدأ يتراجع تدريجيًا.

وقد اعتمد الاحتلال تاريخيًا على السيطرة البرية المباشرة لإدارة المجال الأمني داخل غزة، وهو ما كان يسمح بتشغيل شبكات العملاء والارتباطات المحلية ضمن بيئة يمكن مراقبتها ميدانيًا.

ومع تراجع هذا النموذج، تتراجع تلقائيًا قدرة تشغيل هذه الشبكات، خاصة مع ارتفاع كلفة حمايتها وصعوبة إدارتها داخل بيئة عدائية متماسكة اجتماعيًا.

عملاء الاحتلال في غزة ويكيبيديا

يرى مراقبون أن الخط الأصفر مثل مساحة تشغيل استخباري ميداني للاحتلال، ومع التحول نحو إدارة الصراع عن بُعد، باستخدام الطائرات المسيرة والضربات الجوية والتكنولوجيا الاستخبارية، تقل الحاجة إلى شبكات التجسس البشرية التقليدية داخل المجتمع المحلي.

في هذا الإطار، يقدم الأكاديمي الفلسطيني بلال مطاوع قراءة تاريخية لهذه الظاهرة في مقاله «مليشيات الاحتلال في غزة.. مصيرها في ضوء منطق التاريخ».

ويشير مطاوع إلى أن القوى الاستعمارية اعتمدت دائمًا على أدوات محلية، لكنها تخلت عنها تاريخيًا فور انتهاء الحاجة الوظيفية لها.

ويؤكد مطاوع أن القاسم المشترك في سقوط هذه الأدوات يتمثل في ثلاثة عناصر رئيسية: فقدان الشرعية المجتمعية، والارتهان الكامل لقوة الاحتلال، وتحولها إلى عبء أمني وسياسي عند تغير موازين القوة.

ويربط مطاوع بين تجارب تاريخية متعددة، مثل روابط القرى في الضفة الغربية، وجيش لبنان الجنوبي، وبرامج أمريكية في فيتنام وأفغانستان، وبين واقع الأدوات المرتبطة بالاحتلال في السياق الفلسطيني.

ويخلص إلى أن هذه الأدوات غالبًا ما تنهار بسرعة عند تغير أولويات القوة المحتلة أو تراجع قدرتها على فرض السيطرة المباشرة.

كما أن طبيعة الحرب داخل غزة، التي تعتمد على بيئة حضرية كثيفة ومقاومة لامركزية، قللت من فاعلية نماذج التجسس التقليدية. هذه الشبكات كانت تعتمد على حرية الحركة، وإمكانية التواصل المباشر، والحماية الميدانية، وهي عوامل تراجعت بشكل كبير.

تجارب الاستعمار عبر التاريخ

يشير مطاوع إلى أن الاحتلال عندما يواجه كلفة تشغيل وحماية أدواته المحلية أعلى من فائدتها العملياتية، فإنه يتجه إلى التخلي عنها تدريجيًا. هذا النمط تكرر في تجارب استعمارية متعددة عبر التاريخ.

كما أن البيئة الاجتماعية داخل غزة تمثل عاملًا حاسمًا. فالثقافة المجتمعية السائدة تقوم على نبذ المتعاونين مع الاحتلال، ما يجعل استدامة أي بنية تعاون محلية مسألة شديدة الصعوبة على المدى الطويل، خاصة في ظل تصاعد الوعي المجتمعي وخطورة المخاطر الأمنية والاجتماعية المرتبطة بالتجسس.

إلى جانب ذلك، تؤثر التحولات السياسية داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي نفسها على هذا المسار، حيث تغير الحكومات أو تبدل الأولويات العسكرية يؤدي غالبًا إلى إعادة تقييم أدوات العمل الأمني.

وتاريخيًا، أدى تغير القيادات السياسية الإسرائيلية إلى التخلي عن مشاريع أمنية كاملة عندما فقدت جدواها العملياتية.

وعليه لا يمكن قراءة التحولات الحالية بمعزل عن سياق أوسع لإعادة تشكيل نموذج السيطرة الإسرائيلي داخل غزة. وإذا استمر هذا المسار، فإن تراجع أهمية الخط الأصفر وتقلص الاعتماد على شبكات التجسس والعملاء قد يصبح مسارًا تدريجيًا وليس قرارًا مفاجئًا.

ووفق منطق التاريخ الذي يستعرضه مطاوع، فإن أدوات الاحتلال غالبًا ما تكون مرحلية. ومع تغير شكل السيطرة أو تراجع الحاجة العملياتية، تتحول هذه الأدوات إلى عبء أمني وسياسي وأخلاقي على القوة المحتلة.

ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت هذه التحولات تمثل بداية تفكيك أوسع لنموذج السيطرة التقليدية، أم مجرد إعادة تموضع مرحلية. لكن المؤكد أن بنية السيطرة الأمنية داخل غزة تشهد تحولًا عميقًا، وأن أدواتها التقليدية تواجه اختبارًا تاريخيًا حاسمًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى