من حاضنة للأسرى لأداة اقتطاع: كيف انقلبت فتح والسلطة على أحد أعمدة الرواية الوطنية؟

يرى مراقبون في ما يجري في ملف رواتب الأسرى الفلسطينيين بمثابة حلقة متقدمة في مسار سياسي طويل يستهدف تفكيك المعنى الوطني لأحد أعمدة الرواية الوطنية متمثلة بالاعتقال لدى الاحتلال، وتحويله من تجربة نضالية مؤسسة إلى عبء قابل للتجريم والملاحقة والاقتطاع.
فالجديد اليوم ليس فقط وقف الرواتب بمرسوم رئاسي، بل منطق التدرّج الذي يحكم العملية برمّتها: ضغط يتقدّم خطوة خطوة، مستندًا إلى رصيد سابق من التنازلات التي مرّت بالابتزاز دون ثمن ملموس، لا ماليًا ولا سياسيًا، فيما يزداد الوضع المالي سوءًا ويظل الأفق السياسي مغلقًا.
في قلب هذا المشهد تقف حركة فتح بوصفها المثال الأشد قسوة على انقلاب الأدوار، حيث حركة قدّمت نفسها تاريخيًا رائدة للعمل الوطني وحاملة مشروع التحرر، تجد نفسها اليوم في موقع المنفّذ الدقيق لشروط سياسية ومالية صيغت أصلاً لتجريد النضال من مضامينه.
والمفارقة أن السيف الذي رُفع باسم “الواقعية السياسية” والالتفاف على العقوبات بات أقرب إلى أن يطال من حملوا عبء الحركة نفسها وصنعوا شرعيتها في التأسيس والمطاردة والسجون، قبل أن تنزلق تدريجيًا من فضاء التحرر إلى وهم الدولة.
حركة فتح ويكيبيديا
خلال السنوات الماضية، أُدير ملف رواتب الأسرى بمنطق التحايل لا المواجهة. جرى إعادة تصنيف الأسرى: من حُوّل إلى موظفين في مؤسسات حكومية أو تابعة لمنظمة التحرير، ومن أُلحق بصندوق التقاعد، مع احتساب سنوات الأسر كخبرة أو امتيازات إضافية.
وقد ظنّ القائمون أن هذا الالتفاف سيحمي القاعدة من العقوبات التي تفرضها دولة الاحتلال ومن خلفها واشنطن والمانحون. لكنه لم يكن ذكاءً سياسيًا بقدر ما كان اعترافًا ضمنيًا بمنطق العقوبة واستعدادًا لتقبّلها.
والأسوأ أن التنفيذ لم يأتِ فقط من الخارج، بل تمّ من الداخل عبر لجان ودوائر أمنية وإدارية شاركت في تتبّع ملفات أسرى من فصائل أخرى، ومراجعتها، والتوصية بوقف مخصصاتهم، بعد أن ضمنت شريحة واسعة من أبناء فتح بتحويلهم إلى موظفين أو متقاعدين. حدث ذلك كله قبل أن يصبح القرار عامًا وملزمًا بتعهّد رسمي ومرسوم رئاسي.
استهداف مؤسسات السلطة الفلسطينية
اليوم تدور الدائرة. المعلومات المتداولة تشير إلى ضغط أمريكي قادم سيستهدف رواتب الأسرى السابقين المُدرجين على كادر مؤسسات السلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير، أو من المتقاعدين الذين نالوا رتبًا ومخصصات لأنهم كانوا أسرى.
هذه الفئة التي يشكّل أبناء فتح سوادها الأعظم، اعتقدت طويلًا أنها في مأمن، وأن الصفة الوظيفية ستوفّر حصانة. لكن ما لم يُرَد إدراكه أن دولة الاحتلال لا تتراجع عن أهدافها طوعًا؛ تختبر كل مرحلة، وحين تمرّ الخطوة الأولى بلا كلفة سياسية حقيقية، تنتقل مباشرة إلى التالية.
والضجيج الذي رافق المرحلة السابقة كان عاليًا، لكن النتيجة كانت واضحة: لا قيمة للاحتجاجات والبيانات والمناشدات ما دام القبول بالمعيار والتسليم بالمنطق قائمين. هكذا تحوّل الاعتراض إلى جعجعة بلا طحين.
ثلاثون عامًا من التنسيق الأمني لم تمرّ بلا أثر. لم تكن مجرد ترتيبات ميدانية، بل عملية إعادة تشكيل بطيئة للوعي والدور. مناضلون سابقون أُعيد إنتاجهم كحراس نظام، وكوادر إدارية تراقب وتدقّق وتوصي وتقطع.
وقد تحوّلت العلاقة مع الأسير من صحبة الزنزانة إلى ملف أمني، ومن تضامن إلى مساءلة. حركة كانت ترى في المقاومة شرط وجودها باتت ترى في ضبطها معيار نجاحها، وفي تنفيذ الشروط الخارجية دليل كفاءة.
الأخطر ليس الأثر الاجتماعي المباشر على آلاف العائلات فحسب، بل إعادة تعريف الأسر نفسه. حين يتحوّل الأسير من رمز إلى رقم، ومن حق إلى امتياز قابل للسحب، تُضرب السردية الوطنية في جوهرها، ويُعاد إنتاج رؤية الاحتلال التي تسعى إلى تجريم الفعل المقاوم وتجفيف بيئته الأخلاقية قبل المادية.
سياسيًا، تضع هذه القرارات السلطة أمام معادلة مستحيلة: عجز عن مواجهة شروط المانحين من جهة، واستنزاف لما تبقى من الشرعية الداخلية من جهة أخرى. ليست أزمة رواتب عابرة، بل أزمة مسار.
التاريخ لا يمنح حصانة دائمة لأحد، والتنازل الذي لا يُحدَّد له سقف سياسي واضح لا ينتهي، بل يتوسّع حتى يطال الجميع، ويترك المشروع الوطني عاريًا بلا حماية وبلا رواية.





