تحليلات واراء

لماذا تعمّدت واشنطن كشف ضغطها على نتنياهو لمنع انهيار السلطة؟

سرب موقع Axios الأمريكي ما قال إنه تفاصيل الضغط الأميركي على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الضفة الغربية في خطوة سياسية من واشنطن لتوجيه رسائل متوازية إلى أطراف متعددة، في لحظة يرى فيها البيت الأبيض أن انهيار السلطة الفلسطينية سيقوض أدواتها الأساسية لإدارة الصراع لا لحلّه.

إذ أن الإدارة الأمريكية لا تنظر إلى السلطة الفلسطينية بوصفها شريكاً سياسياً، بل كأداة أمنية مركزية في منظومة السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

ومن هذا المنطلق، فإن القلق الأميركي لا ينبع من الانتهاكات الإسرائيلية بحد ذاتها، بل من نتائجها العملية والقلق من احتمال تفكك السلطة، انهيار أجهزتها، وتحوّل الضفة إلى ساحة مفتوحة للمقاومة خارج أي ضبط أمني.

ويرى مراقبون أن تسريب أن ترامب ومستشاريه ناقشوا “بإسهاب” سياسات الضفة مع نتنياهو هو رسالة أولاً إلى القيادة الإسرائيلية بأن واشنطن ترى أن نتنياهو يبالغ في الضغط إلى حد يهدد البنية الوظيفية التي تعتمد عليها دولة الاحتلال نفسها.

فخلال السنوات الثلاث الماضية، قادت حكومة اليمين المتطرف سياسة منهجية لإضعاف السلطة عبر حجز أموال المقاصة، توسيع الاستيطان، شرعنة البؤر، تهجير المجتمعات الفلسطينية، وتصعيد عنف المستوطنين. هذه السياسات لم تُسقط السلطة بعد، لكنها دفعتها إلى حافة الانهيار المالي والأمني.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

من وجهة نظر واشنطن، انهيار السلطة يعني ثلاثة مخاطر مباشرة. أولها فقدان شريك التنسيق الأمني الذي يخفف العبء عن الجيش الإسرائيلي ويمنع تحوّل الضفة إلى جبهة مقاومة شاملة.

ثانيها تقويض أي إمكانية لتسويق “مرحلة ما بعد غزة”، سواء عبر اتفاق تهدئة طويلة أو عبر إعادة إحياء مسار سياسي شكلي.

أما ثالثها فيتعلق بضرب فرص توسيع اتفاقيات إبراهيم، التي تحتاج إلى حد أدنى من “الاستقرار” الفلسطيني لتسويقها عربياً.

ويخدم التسريب كذلك هدفاً خارجياً موجهاً إلى أوروبا. فواشنطن أرادت القول إن لديها خلافات مع نتنياهو، وإنها لا تمنحه شيكاً على بياض في الضفة، في وقت تتزايد فيه الإدانات الأوروبية للاستيطان وإرهاب المستوطنين.

وبحسب المراقبين يمنح هذا الخطاب إدارة ترامب هامشاً لاحتواء التوتر مع العواصم الأوروبية، من دون تغيير جوهري في سياستها المنحازة لإسرائيل.

في الوقت نفسه، لم يتضمن التسريب أي تهديد حقيقي. الحديث عن “طلب تهدئة” و”تجنب خطوات استفزازية” لا يرقى إلى مستوى الضغط الفعلي. بل إن سجل إدارة ترامب يؤكد أن هذه اللغة تُستخدم لإدارة الإيقاع، لا لتغيير المسار.

فترامب نفسه رفع العقوبات عن المستوطنين الإرهابيين، وعيّن مايك هاكابي، أحد أبرز المدافعين عن الاستيطان، سفيراً لدى تل أبيب.

ويكشف هذا التناقض أن واشنطن لا تعارض جوهر المشروع الاستيطاني، بل تخشى فقط انفلاته بما يضر مصالحها.

العلاقات الأمريكية الفلسطينية

كما أن تعمّد التسريب يخاطب أيضاً الداخل الإسرائيلي. فنتنياهو يواجه ضغوطاً من شركائه اليمينيين ومن لوبي المستوطنين، وتسريب الضغط الأميركي يمنحه ذريعة للمناورة: يستطيع الادعاء بأنه مضطر لتقديم تنازلات تكتيكية تحت ضغط الحليف الأميركي، من دون المساس بالمسار الاستراتيجي للاحتلال والضم الزاحف.

لذلك، لم يكن صدفة أن يعبّر نتنياهو خلال الاجتماع عن “رفضه لعنف المستوطنين” لفظياً، من دون اتخاذ إجراءات بنيوية حقيقية.

أما على المستوى الفلسطيني، فالتسريب يهدف إلى تثبيت معادلة قديمة: واشنطن لا تزال ترى في السلطة الفلسطينية أداة لضبط الفلسطينيين، لا إطاراً لتمثيلهم.

الرسالة الضمنية هي أن بقاء السلطة مرهون بقدرتها على الاستمرار في التنسيق الأمني وتصعيد المواجهة مع المقاومة، وليس بإنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان. أي أن واشنطن تسعى إلى منع الانهيار، لا لإنهاء أسباب الانهيار.

وربط ترامب بين الضفة الغربية وملفات أخرى، مثل المرحلة الثانية من اتفاق غزة، والمحادثات مع سوريا، والتصعيد المحتمل ضد إيران، يعكس نظرة صفقة شاملة.

ففي هذه الصفقة، تُستخدم الضفة كورقة ضبط إقليمي، لا كقضية حقوقية أو سياسية. لذلك، فإن الضغط الأميركي على نتنياهو يبقى محكوماً بسقف واضح هو حماية استقرار يخدم دولة الاحتلال أولاً.

ذلك أن واشنطن تدرك أن انهيار السلطة الفلسطينية سيكلفها أمنياً وسياسياً، لكنها غير مستعدة لمواجهة نتنياهو أو كبح المشروع الاستيطاني جذرياً، فما تريده هو سلطة ضعيفة، لكنها قائمة؛ منهكة، لكنها وظيفية؛ عاجزة سياسياً، لكنها فعالة أمنياً.

في هذا الإطار، يصبح التسريب أداة ضبط، لا إنذاراً حقيقياً، ورسالة بأن بقاء السلطة ضرورة أميركية – إسرائيلية مشتركة، لا التزاماً بحقوق الشعب الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى