مليارات لتلميع الاحتلال: قراءة في الأجندة الخفية للمساعدات الإماراتية لغزة

في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث بفعل حرب الإبادة الإسرائيلية، تروج آلة الدعاية الإماراتية أنها قدمت دعمًا إنسانيًا للقطاع بلغت قيمته 2.57 مليار دولار منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
غير أن هذا الإعلان الذي يأتي في سياق احتفالي دعائي لا يخفي حقيقةً باتت تتكرس ميدانيًا: أن أغلب المساعدات الإماراتية لم تكن إنسانية خالصة، بل حملت أبعادًا سياسية وأمنية واضحة تصب في مصلحة مخططات الاحتلال لتفريغ غزة وتهجير سكانها.
إذ تُروج أبوظبي نفسها كأحد أكبر المانحين لغزة، لكنها في الواقع ربطت كل خطوة من خطواتها الإغاثية بشروط سياسية واضحة المعالم، تخدم في جوهرها مشروع إعادة هندسة المشهد الفلسطيني بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية ـ الأميركية.
ففي حين تتحدث بياناتها الرسمية عن “جهود إنسانية لإنقاذ المدنيين”، فإن جزءًا كبيرًا من تلك الجهود تم توظيفه في مناطق محددة لتسهيل مشاريع الاحتلال في التهجير والسيطرة الأمنية، خصوصًا في المناطق الجنوبية من القطاع مثل رفح وخان يونس.
تؤكد مصادر محلية وتقارير ميدانية أن جزءًا رئيسيًا من التمويل الإماراتي ذهب إلى ميليشيات محلية وعصابات مسلحة، على رأسها عصابة ياسر أبو شباب في رفح ومجموعات الأسطل في خان يونس، وهي تشكيلات اتهمت بالتنسيق مع قوات الاحتلال، ومارست أعمال تخريب ونهب، وشاركت في ترهيب المدنيين وإجبارهم على إخلاء منازلهم.
وقد منح هذا الدعم غير الرسمي تلك العصابات نفوذًا ميدانيًا مكنها من زعزعة أي تنظيم مدني أو مقاوم داخل القطاع، في وقت كانت فيه دولة الاحتلال تسعى إلى تفكيك النسيج الاجتماعي الغزي وإضعاف أي بنية مقاومة على الأرض.
حقيقة المساعدات الإماراتية لغزة
واحدة من أكثر صور “المساعدة” الإماراتية إثارة للجدل كانت عمليات الإسقاط الجوي للمساعدات التي نفذتها بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي. فبدلًا من أن تُرسل قوافل منظمة عبر المعابر، فضلت الإمارات المشاركة في عمليات إنزال جوية أظهرت مشاهد “البطولة الإنسانية” على شاشات الإعلام، لكنها عمليًا ساهمت في تلميع صورة الاحتلال وتبييض جرائمه أمام العالم.
هنا يبرز أن تلك الإمدادات التي كانت تُلقى من الجو وسط مناطق القتال، لم تصل في معظمها إلى المحتاجين الفعليين، بل تحول الكثير منها إلى فوضى ميدانية تسببت في قتل وإصابة مدنيين حاولوا التقاط أكياس الطعام المتساقطة من السماء.
وبذلك، تحولت “المساعدة” إلى أداة دعاية سياسية تُغطي على جريمة تجويع غزة المتعمدة، حيث تواصل دولة الاحتلال فرض حصار خانق يمنع دخول المواد الأساسية، بما في ذلك الوقود والدواء ومواد البناء.
في الوقت ذاته تتناقض الرواية الإماراتية عن “العمل الإنساني” مع ما كشفته صحف غربية وإسرائيلية.
فقد ذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية قبل أيام أن “التركيز الرئيسي حاليًا للإمارات ينصب على المساعدات الإنسانية في الجزء الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من غزة”، وأنها “قد توافق على تمويل مشاريع إنسانية فقط في المناطق التي تضمن فيها إسرائيل وجودها الأمني”.
بمعنى آخر، تعمل أبوظبي ضمن شروط الاحتلال وليس بمعزل عنه، ما يفرغ المساعدات من مضمونها الإنساني ويحولها إلى أداة سياسية لضبط المشهد في غزة بما يخدم ترتيبات ما بعد الحرب.
أما صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية فكانت أكثر وضوحًا حين كشفت أن الإمارات رفضت تقديم أي دعم لإعادة إعمار غزة قبل نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية وتشكيل سلطة بديلة متفق عليها مع واشنطن وتل أبيب، مشيرة إلى أن أبوظبي اشترطت أيضًا “إصلاحات داخلية في السلطة الفلسطينية، بما في ذلك احتمال تغيير القيادة”.
وتُظهر هذه الشروط أن ما يُقدم تحت لافتة “المساعدات” هو في الواقع استثمار سياسي لتطويع غزة وإعادة إنتاج النظام الفلسطيني بما يتوافق مع معادلة التطبيع الإقليمي التي تقودها تل أبيب.
الإمارات وتبييض الجرائم الإسرائيلية
من الواضح أن الدور الإماراتي تجاوز حدود “المساعدة”، ليصبح غطاءً إنسانيًا للسياسات الإسرائيلية في القطاع.
فحين يعلن الاحتلال أنه “يتعاون مع شركاء إقليميين” لإيصال المساعدات، تكون الإمارات في مقدمة هؤلاء، ما يمنح إسرائيل شرعية زائفة ويخفف من ضغط الرأي العام الدولي المطالب بوقف الحرب.
كما أن التمويل الإماراتي لبعض المبادرات الإنسانية المرتبطة بالإدارة الإسرائيلية للقطاع، مثل المستشفى الإماراتي الميداني قرب معبر كرم أبو سالم، يتم تحت إشراف عسكري إسرائيلي مباشر، ما يجعل المساعدة في جوهرها امتدادًا لمنظومة الاحتلال وليست فعلًا مستقلاً.
وتُظهر الوقائع أن إعلان الإمارات عن تقديم 2.57 مليار دولار لغزة ليس سوى جزء من استراتيجية أوسع لتثبيت نفوذها السياسي في الساحة الفلسطينية، وإعادة تموضعها كحليف ضروري لإسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي حين يُفترض بالمساعدات أن تكون جسرًا للإنقاذ الإنساني، فقد تحولت في الحالة الإماراتية إلى أداة لتبييض الاحتلال وشرعنة التهجير وتهميش المقاومة.
لقد ساهمت سياسات أبوظبي في تشويه مفهوم الإغاثة عبر تسييسها وتحويلها إلى أداة ضغط واصطفاف، حتى باتت المليارات المعلنة لا تُقاس بقيمتها المالية، بل بأثرها الميداني في إضعاف الفلسطينيين وتلميع الجلاد أمام العالم.
وفي النهاية، تبقى المأساة الحقيقية أن غزة لا تزال جائعة ونازحة وبلا مأوى، رغم كل تلك الأرقام الضخمة التي لم تصل إلى من يستحقها، بل إلى من يخدم استمرار المأساة نفسها.





