السلطة تواصل تلفيق القضايا: اتهام بلا دليل لاستهداف نشطاء الرأي في الضفة

تتواصل في الضفة الغربية سياسة ملاحقة نشطاء الرأي العام عبر اتهامات جنائية مفبركة بلا دليل، في مسار بات واضحًا أنه يستهدف كسر الصوت المنتقد وتوسيع دائرة الردع السياسي تحت غطاء “سيادة القانون”.
وتتعلق أحدث هذه القضايا بالناشط مريد سقف الحيط، الذي أحيل للمحاكمة أمام محكمة فلسطينية بتهمة حيازة سلاح وذخائر دون وجود أي دليل مادي، في واقعة تكشف مجددًا الخلل البنيوي في أداء النيابة العامة واستخدامها كأداة ضغط سياسي.
وقال الناشط مريد سقف الحيط إن النقاش القانوني كان يمكن أن يكون مفهومًا عندما طلبت النيابة العامة تمديد توقيفه لاستكمال التحقيق، لكنه أكد أن ما لا يمكن تبريره أو القبول به هو إحالته للمحاكمة بتهمة حيازة سلاح من دون ضبط أي سلاح، أو وجود صور، أو فيديوهات، أو قرائن مادية من أي نوع.
وعليه فإن القضية، بحسب وصفه، لا تتجاوز كونها تعسفًا صريحًا وانتهاكًا فاضحًا لمبادئ العدالة.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
تعد قضية الناشط مريد سقف الحيط نموذجًا متكررًا لنهج معتمد يقوم على تكريس القمع في الضفة الغربية.
فالنيابة العامة في نابلس، وفق ما ورد في إفادات الدفاع، فشلت في تقديم أي دليل ملموس يدعم الاتهام. ومع ذلك، مضت في الإحالة للمحاكمة، متجاهلة قاعدة قانونية بديهية: لا جريمة بلا دليل. هذا السلوك ينسف قرينة البراءة، ويحوّل القضاء من سلطة تحمي الحقوق إلى أداة تشرعن القمع.
ويؤكد مراقبون أن محاكمة ناشط سياسي بتهمة خطيرة كحيازة السلاح دون وجود سلاح مضبوط أو أدلة رقمية أو شهود موثوقين، يعني أن الملف أُعدّ سياسيًا قبل أن يُصاغ قانونيًا. وهو ما يضع النيابة العامة أمام اتهام مباشر باستسهال تلفيق القضايا، واستخدام النصوص القانونية الفضفاضة لتصفية الحساب مع المعارضين.
وقد سجلت السنوات الأخيرة العديد من القضايا المشابهة التي تقوم على اعتقالات على خلفية الرأي، تهم “إساءة استخدام وسائل التواصل”، “إثارة النعرات”، أو “حيازة غير مشروعة” بلا بينات. النتيجة واحدة: تكميم الأفواه، وتوسيع مناخ الخوف، وإضعاف أي مساحة للنقاش العام.
والخطير في قضية الناشط مريد سقف الحيط أنها تكشف انفصال النيابة عن المعايير المهنية. فالنيابة، بوصفها ممثلة للمجتمع، ملزمة بإثبات الاتهام لا بتدوير الشبهات. الإحالة للمحاكمة بلا أدلة ليست “خطأ تقدير”، بل إخلال جسيم بواجبات الوظيفة العامة، يرقى إلى إساءة استعمال السلطة.
وقد دعا الناشط مريد سقف الحيط مؤسسات المجتمع المدني، وعلى رأسها المؤسسات الحقوقية ونقابة المحامين، إلى اتخاذ موقف علني واضح يدين هذا السلوك الذي يعني الصمت عليه التطبيع مع الانتهاك، وترك الباب مفتوحًا لتوسيع الاستهداف.
وبحسب المراقبين فإن المطلوب اليوم موقف مهني لا لبس فيه: إدانة إحالة أي مواطن للمحاكمة دون أدلة، والمطالبة بإسقاط التهم الملفقة، ومحاسبة المسؤولين عن تحويل النيابة إلى أداة سياسية. كما أن على نقابة المحامين واجبًا مضاعفًا في حماية قواعد المحاكمة العادلة، ورفض استخدام القضاء لتصفية الخلافات السياسية.






