فتح تروج لخطاب الفتنة في غزة: دعوات مقلقة للحرب الأهلية تحت غطاء “لجنة التكنوقراط”

أثارت موجة من المنشورات والتصريحات المتداولة على حسابات نشطاء محسوبين على حركة فتح حالة واسعة من الغضب والاستنكار في الشارع الفلسطيني، بعد أن تعاملت هذه الحسابات مع لحظة الإعلان عن تشكيل “لجنة التكنوقراط” باعتبارها فرصة لتصفية حسابات سياسية قديمة، وإعادة إنتاج خطاب التحريض الداخلي، وصولاً إلى ترويج صريح لفكرة الحرب الأهلية في قطاع غزة.
وبحسب ما رصده ناشطون وإعلاميون، فإن عدداً من هذه الحسابات لم يخفِ نواياه، إذ لجأ إلى استدعاء ماضٍ أمني مظلم ارتبط بفترة سيطرة السلطة الفلسطينية على قطاع غزة، ملوحاً بما يُعرف شعبياً بـ”عهد القُنية”، في إشارة مباشرة إلى أساليب الملاحقة والتعذيب والتنكيل التي مورست بحق المقاومين خلال تلك المرحلة.
وينظر مراقبون إلى هذا الخطاب بوصفه تهديدا مبطنا، ورسالة واضحة بأن الهدف ليس إدارة شؤون المواطنين، بل استكمال ما عجز عنه الاحتلال في مخطط تصفية المقاومة.
واللافت أن هذه الدعوات ظهرت في توقيت بالغ الحساسية، إذ يعيش قطاع غزة واحدة من أكثر مراحله مأساوية بعد حرب إبادة مدمرة أنهكت البشر والحجر، وخلفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى، ودماراً واسعاً في البنية التحتية.
لجنة إدارة غزة ويكيبيديا
كان المنتظر من أي حديث عن حكومة مستقلة أو لجنة تكنوقراط أن يتركز على الإغاثة، وإعادة الإعمار، وتخفيف الكارثة الإنسانية، لا على بث الأحقاد والتحريض على اقتتال داخلي.
غير أن خطاب بعض نشطاء فتح، كما يرى مراقبون، كشف سريعاً عن الغاية الحقيقية التي يقفون خلفها. فبدلاً من الحديث عن أولويات المواطنين، جرى التركيز على تصفية الحساب مع المقاومة، وتقديم “حكومة التكنوقراط” كأداة أمنية جديدة، لا كمشروع إنقاذ وطني.
ويعتبر المحللون ذلك دليلاً إضافياً على أن جزءاً من الحركة ما زال أسير عقلية أوسلو والتنسيق الأمني، وينظر إلى أي تطور سياسي من زاوية خدمة أجندته الضيقة، حتى لو جاء ذلك على حساب وحدة المجتمع الفلسطيني.
ويرى محللون أن هذا الخطاب لا يمكن فصله عن التاريخ القريب لحركة فتح في غزة، حين تحولت الأجهزة الأمنية إلى أداة لقمع الخصوم السياسيين، وملاحقة المقاومين، في انسجام كامل مع متطلبات الاحتلال.
تلك المرحلة انتهت عملياً عام 2006 عبر صناديق الاقتراع، حين لفظ الشارع الغزي هذا النهج، إلا أن استعادتها اليوم، ولو على مستوى الخطاب، تعكس حالة من الإفلاس السياسي والعجز عن تقديم مشروع وطني جامع.
السلطة الفلسطينية والتنسيق الأمني
تكمن خطورة هذه الدعوات في أنها لا تقتصر على كونها تحاول تطبيع فكرة الاقتتال الداخلي، وإعادة تسويقها كخيار سياسي، وهو أمر يراه كثيرون خدمة مجانية للاحتلال، الذي طالما راهن على تفجير الساحة الفلسطينية من الداخل، بعدما فشل في كسر إرادة المقاومة عسكرياً.
في المقابل، يشدد ناشطون ومراقبون على أن هذه الأصوات، رغم ضجيجها، لا تمثل الشارع الفلسطيني، ولا حتى القاعدة الشعبية لحركة فتح نفسها.
فغزة، التي دفعت ثمناً باهظاً من دماء أبنائها، تدرك أن أي حرب أهلية لن تكون سوى استكمال لحرب الاحتلال بوسائل داخلية، ولن تخدم سوى أعداء الشعب الفلسطيني.
كما يرى آخرون أن هذه الحسابات ليست سوى “أبواق إعلامية” تفتقر إلى أي قدرة فعلية على التأثير الميداني، وأن رهانها على التحريض يعكس شعورها بالعجز والتهميش.
فالقوة الحقيقية، وفق هذا الرأي، لا تُبنى عبر التهديد واستحضار أدوات القمع، بل عبر مشروع وطني جامع يستند إلى إرادة المواطنين ويحترم تضحياتهم.
وعليه يعكس هذا المشهد أزمة عميقة داخل الخطاب الفتحاوي، الذي بدل أن ينخرط في مراجعة جدية لدوره ومسؤوليته التاريخية، ينجرف جزء منه نحو خطاب انتقامي خطير، يهدد النسيج الاجتماعي الفلسطيني.
وبينما تنتظر غزة من ينقذها من الكارثة الإنسانية، يصر هؤلاء على تحويل “حكومة التكنوقراط” من فرصة للإنقاذ إلى أداة جديدة للفتنة، في مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه سقوط أخلاقي وسياسي مدو.






