تحليلات واراء

لجنة التكنوقراط لإدارة غزة تتعثر مبكرا بين الضغوط السياسية والإرباك الإداري

واجهت لجنة التكنوقراط لإدارة غزة تعثرا مبكرا في ظل تركها عالقة بين الضغوط السياسية والإرباك الإداري في مشهد يناقض ما وُعِد به الغزيون، ويخالف ما جرى تسويقه سياسيًا وإعلاميًا عند الإعلان عن تشكيل اللجنة.

إذ أن موعد نهاية الأسبوع المنصرم الذي كان يفترض أن يشهد دخول لجنة التكنوقراط إلى قطاع غزة وبدء استلام الملفات الحكومية، مرّ بصمت ثقيل، بلا لجنة وبلا تسلّم وبلا أي إشارة عملية على ولادة مرحلة إدارية جديدة بعد حرب مدمّرة ما عكس تعثّرًا عميقًا كشف هشاشة المسار برمّته قبل أن يبدأ.

وبحسب ما أورده الصحفي وسام عفيفة في مقال تحليلي له، فإن التفسير السريع الذي أُحيل إليه التعطيل – والمتمثل في العراقيل الإسرائيلية المعتادة – لا يروي القصة كاملة.

صحيح أن الاحتلال مارس ضغوطًا ميدانية وإجرائية، لكن المعطيات المتقاطعة تشير إلى عامل أكثر حساسية وخطورة: تراجع داخلي غير معلن داخل لجنة التكنوقراط نفسها، نتيجة ضغوط سياسية مرتبطة بمرجعيتها.

وخلال الأيام التي سبقت الموعد المفترض لدخول اللجنة، بدأت مؤشرات انكفاء تظهر في الكواليس. هذه المؤشرات لم تخرج إلى العلن ببيانات رسمية، لكنها كانت كافية لتعطيل الاستحقاق بالكامل.

والحديث هنا عن فرامل حقيقية كُبحت بها اندفاعة اللجنة نحو استلام الملفات الحكومية بشكل رسمي ومنتظم من الجهات القائمة في غزة، بفعل حسابات سياسية داخل ما يُعرف بـ“مجلس السلام”.

لجنة إدارة غزة ويكيبيديا

الأخطر من التعطيل ذاته هو طبيعة المقاربة التي يُقال إن اللجنة تنوي اعتمادها. فبدل تسلّم شامل ومتكامل للملفات الحكومية، يجري التداول بفكرة إدارة انتقائية: ملفات تُستلم، أخرى تُرحّل، وثالثة تُترك خارج الحسابات بالكامل.

وعلى رأس هذه الملفات المؤجلة أو المستبعدة يأتي ملف الموظفين وملف الحقوق المالية، وهما من أكثر القضايا حساسية في الواقع الغزي المنهك.

وبحسب عفيفة فإن هذا التوجه، إن صحّ، ينسف جوهر فكرة “لجنة تكنوقراط” يُفترض أن تعمل بعقلية مؤسسية شاملة، لا بمنطق التجزئة والاختيار السياسي.

فالتسليم والتسلّم الإداري ليس قائمة انتقائية، بل عملية متكاملة تضمن الاستمرارية وتمنع الفراغ. تحويلها إلى إدارة جزئية للملفات يعني عمليًا تحميلها بإشارات سياسية، وإفراغها من مضمونها الإداري.

بموازاة ذلك فإن التوقيت يزيد الصورة قتامة، حيث القاهرة، وفق ما رشح، كانت قد أنجزت تحضيرات واسعة لمسار تسليم وتسلم كامل ومنضبط، يقوم على نقل جميع الملفات دفعة واحدة، وبمشاركة القوى والفصائل والهيئات الحكومية، لتفادي أي فوضى في مرحلة شديدة الهشاشة.

وهذا التصور المصري لم يكن يحتمل الاجتهاد أو الانتقائية، ما يفسّر حالة الإحباط المتصاعدة والتوتر الصامت مع الجانب المصري، الذي يرى في أي تعطيل أو تجزئة تهديدًا للاستقرار الإداري.

ترتيبات اليوم التالي لحرب غزة

تتراكم أسئلة بلا إجابات حول ما هي الصلاحيات الفعلية للجنة؟ من يملك القرار النهائي؟ أين الصندوق المالي الذي يُفترض أن يشكل موازنتها التشغيلية؟ هذا الغموض، المقترن بتباين الرؤية بين المرجعية السياسية والواقع الإداري في غزة، خلق قلقًا واضحًا حتى داخل اللجنة نفسها.

ورغم التطمينات التي تُنقل عبر قنوات دولية، إلا أن الاتصالات الجارية لم تنجح في تبديد الشكوك. السؤال الجوهري، كما يورده عفيفة، ما زال قائمًا: هل نحن أمام لجنة إدارة فعلية قادرة على الإمساك بالملفات الثقيلة، أم مجرد واجهة انتقالية محدودة الصلاحيات، محكومة بسقف سياسي ومالي ضيق؟

ويرى عفيفة أن ما يجري هو تعطيل مزدوج: احتلال يعرقل، ولجنة تتردد، ومرجعية تضغط، ومسار مصري مهدد.

ويشدد على أنه إذا لم تُحسم هذه العقد سريعًا وبوضوح، فإن فكرة “التسليم الإداري المنظم” لن تكون سوى عنوان مؤجل لمسار هش، مفتوح على مزيد من الإرباك والفراغ، في وقت لا يحتمل فيه قطاع غزة أي فشل إضافي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى