تل أبيب تهين حلفاءها.. أمن الطاقة المصري والأردني رهن التحكم الإسرائيلي

أعادت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسليط الضوء على هشاشة منظومة الطاقة في مصر والأردن، بعدما قررت وقف ضخ الغاز الطبيعي إلى البلدين لأجل غير مسمى في خطوة كشفت حجم الارتهان الذي وضعته اتفاقيات الطاقة مع تل أبيب على أمن الطاقة في المنطقة.
وجاء القرار الإسرائيلي بعد تصاعد التوتر العسكري في الشرق الأوسط إثر الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي على إيران، وما أعقبه من ردود عسكرية إيرانية استهدفت مواقع أمريكية في الخليج وقصف متبادل مع دولة الاحتلال.
وأعلنت تل أبيب إغلاق عدد من حقول الغاز الطبيعي في البحر المتوسط، وعلى رأسها حقلا (تمار) و(ليفياثان)، بناء على ما وصفته بتقييمات أمنية، وهو القرار الذي أدى فوراً إلى وقف الإمدادات المتجهة إلى مصر والأردن.
ضربة لمنظومة الطاقة المصرية
تشير التقديرات إلى أن دولة الاحتلال كانت تضخ نحو 1.1 مليار قدم مكعب يومياً من الغاز إلى مصر، وهي كمية تشكل جزءاً مهماً من منظومة الطاقة المصرية.
ومع توقف هذه الإمدادات، تجد القاهرة نفسها أمام فجوة كبيرة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك.
فمصر تنتج حالياً نحو 4.1 مليار قدم مكعب يومياً، بينما يبلغ الاستهلاك المحلي قرابة 6.2 مليار قدم مكعب.
ويعني هذا العجز أن أي اضطراب في الإمدادات الخارجية يمكن أن ينعكس سريعاً على قطاع الكهرباء والصناعة.
وقد أعلنت وزارة البترول المصرية أنها اتخذت إجراءات استباقية لتأمين احتياجات السوق، من بينها إعادة جدولة شحنات الغاز المسال التي تعاقدت عليها مصر مسبقاً، إلى جانب زيادة كميات الوقود البديل المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء.
وفي خطوة تعكس حجم الأزمة المحتملة، قررت الوزارة رفع كميات المازوت المستخدم في محطات الكهرباء بنسبة 333% لتصل إلى 26 ألف طن يومياً، بدلاً من 6 آلاف طن في الأيام العادية.
الأردن في المأزق ذاته
الأردن بدوره لم يكن بعيداً عن تداعيات القرار الإسرائيلي. فالمملكة تعتمد بشكل كبير على الغاز الإسرائيلي في تشغيل محطات الكهرباء منذ توقيع اتفاقية الطاقة بين الجانبين قبل سنوات.
وتوفر هذه الإمدادات ما يقارب 70% من احتياجات الأردن لتوليد الكهرباء، ما يجعل أي توقف مفاجئ في الإمدادات تهديداً مباشراً لاستقرار قطاع الطاقة في البلاد.
ويخشى خبراء أن يؤدي استمرار توقف الغاز الإسرائيلي إلى زيادة كلفة إنتاج الكهرباء في الأردن، وربما اللجوء إلى الوقود الثقيل أو الديزل لتعويض النقص، وهو ما يعني ارتفاعاً كبيراً في فاتورة الطاقة.
وقد استندت دولة الاحتلال في قرارها إلى بند “القوة القاهرة” الموجود في اتفاقيات الغاز مع مصر والأردن ما يسمح لها بتعليق الالتزامات التعاقدية في حال وقوع ظروف استثنائية مثل الحروب أو الكوارث.
لكن منتقدين يرون أن إدراج هذا البند بصيغته الحالية يمنح دولة الاحتلال عملياً القدرة على التحكم في إمدادات الطاقة للدول المستوردة.
فالبند يتيح لتل أبيب وقف الغاز دون أن تتحمل تبعات قانونية كبيرة، كما يقيد قدرة الدول المتضررة على اللجوء إلى التحكيم الدولي للحصول على تعويضات.
اتفاقيات غير متوازنة
تتزايد الانتقادات داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية في مصر والأردن تجاه بنية الاتفاقيات التي تربط البلدين بإسرائيل في مجال الغاز.
فصفقة الغاز التي وقعتها مصر مع دولة الاحتلال بقيمة تقارب 35 مليار دولار تتضمن بنوداً يعتبرها خبراء مجحفة بحق القاهرة بينها تثبيت سعر الغاز بعد إلغاء ربطه بأسعار النفط العالمية، وهو ما قد يضع مصر أمام أعباء مالية إضافية إذا انخفضت أسعار الطاقة مستقبلاً.
كما تسمح بنود أخرى لإسرائيل بتقليص الإمدادات في حال وجود فجوة في إنتاجها المحلي لمدة 28 يوماً، رغم أن هذا الأمر لا علاقة له بالدول المستوردة.
وتثير هذه الأزمة مفارقة لافتة في العلاقات الاقتصادية بين دول عربية ودولة الاحتلال.
ففي الوقت الذي توصف فيه تل أبيب رسمياً في الخطاب السياسي بأنها دولة معادية أو خصم استراتيجي، تعتمد منظومات الطاقة في بعض الدول العربية بشكل كبير على الغاز القادم من حقولها.
ويقول مراقبون إن بناء مصالح اقتصادية حيوية مع دولة ذات سجل طويل من الصراعات والحروب في المنطقة يمثل مخاطرة استراتيجية.
فالقرار الإسرائيلي الأخير أثبت أن تل أبيب تستطيع، بقرار واحد، التأثير في استقرار الطاقة لدى جيرانها.
ويرى خبراء أن الأزمة الحالية تكشف خللاً بنيوياً في سياسات الطاقة في المنطقة باعتبار أن الاعتماد المتزايد على الغاز المستورد، خصوصاً من مصدر واحد، يجعل الدول المستوردة عرضة للابتزاز السياسي والاقتصادي.
كما أن تأخر الاستثمار في الطاقة المتجددة أو تنويع مصادر الطاقة يفاقم من هذه الهشاشة.
ويحذر محللون من أن استمرار هذا الوضع قد يجعل أمن الطاقة في دول مثل مصر والأردن رهينة للقرار السياسي الإسرائيلي.
ومع استمرار التوتر العسكري في المنطقة، لا يبدو أن إمدادات الغاز ستعود بسرعة إلى طبيعتها.
وفي ظل غياب بدائل فورية، تجد القاهرة وعمّان نفسيهما أمام واقع صعب حيث منظومات طاقة تعتمد بشكل كبير على مصدر واحد يملك القدرة على قطع الإمدادات في أي لحظة وهو ما تذكيراً قاسياً بأن أمن الطاقة لا يمكن أن يبنى على اتفاقيات مع عدو يملك القدرة الكاملة على تعطيلها متى شاء.





