معالجات اخبارية

التاريخ يعيد نفسه.. من ميليشيا لحد في لبنان إلى تفكك العصابات في غزة

لطالما شكّلت تجربة ما عُرف بـ “جيش لبنان الجنوبي” مثالًا بارزًا في تاريخ المنطقة على مصير الميليشيات التي ارتبطت بالاحتلال الإسرائيلي.

فقد تأسس هذا التشكيل المسلح في جنوب لبنان بقيادة الضابط المنشق سعد حداد، بدعم مباشر من إسرائيل، ليكون قوة محلية تواجه فصائل المقاومة اللبنانية والفلسطينية.

ومع مرور السنوات، توسعت هذه القوة حتى وصل عدد عناصرها وفق تقديرات مختلفة إلى أكثر من 20 ألف مسلح، قبل أن يتولى قيادتها لاحقًا أنطوان لحد بعد وفاة حداد.

وقد حظيت هذه الميليشيا بدعم عسكري ومالي كبير من إسرائيل، حتى بدت في كثير من الأحيان وكأنها امتداد ميداني للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.

جيش لحد في لبنان

ورغم سنوات طويلة من الدعم والتنسيق الوثيق مع القيادة الإسرائيلية، فإن نهاية هذه الميليشيا جاءت سريعة ومفاجئة.

فمع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، انهارت قوات “جيش لبنان الجنوبي” خلال أقل من 24 ساعة، وفرّ العديد من قادتها وعناصرها إلى داخل فلسطين المحتلة، في مشهد اعتبره كثير من المراقبين دليلاً على هشاشة التشكيلات المسلحة المرتبطة بقوى خارجية.

سياسة تتكرر في غزة

اليوم، يرى مراقبون أن الاحتلال يسير في المسار ذاته داخل قطاع غزة، عبر دعم مجموعات مسلحة تعمل في بعض مناطق القطاع، في محاولة لإحداث حالة من الفوضى الداخلية وإضعاف الجبهة الداخلية للمقاومة، خاصة بعد فشل الأهداف العسكرية التي أعلن عنها منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023.

وتشير المعطيات إلى أن هذه العصابات ظهرت بشكل واضح في مناطق جنوب القطاع، خصوصًا في المناطق الشرقية من رفح، حيث تنشط بعض المجموعات المسلحة في مناطق تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وتعمل بتنسيق ميداني مباشر معه.

كما أظهرت تقارير ميدانية تورط هذه العصابات في السطو على شاحنات المساعدات الإنسانية وفرض أتاوات عليها، في ظل ظروف إنسانية صعبة يعيشها سكان القطاع، وفي كثير من الأحيان تدخل طائرات مسيّرة إسرائيلية لحماية هذه المجموعات خلال اشتباكات مع مقاومين، الأمر الذي اعتبره مراقبون مؤشرًا على مستوى الدعم المباشر الذي تتلقاه بعض هذه العصابات.

 وتورطت هذه العصابات في العديد من القضايا الأخلاقية والجنائية، بما في ذلك السرقة، الخطف، القتل، الاغتصاب وترويج المخدرات بين الشباب.

وقد أثار هذا التوجه جدلًا داخل الساحة السياسية الإسرائيلية نفسها، حيث كشف وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق أفيغدور ليبرمان في تصريحات سابقة أن حكومة بنيامين نتنياهو أدخلت كميات من السلاح الخفيف إلى قطاع غزة دون مصادقة المجلس الوزاري المصغر (الكابينت).

وفي المقابل، حذّر عدد من المسؤولين الإسرائيليين من مخاطر هذه السياسة، إذ اعتبرها بعضهم “قنبلة موقوتة” قد تنقلب في المستقبل على إسرائيل نفسها، في حال خرجت هذه الجماعات عن السيطرة.

تفكك العصابات في غزة

ولكن المعطيات الميدانية تشير إلى أن هذه التشكيلات بدأت بالفعل تواجه حالة من التفكك والانقسام الداخلي.

فقد شهدت بعض هذه العصابات حالات انسحاب لعناصرها، نتيجة تراجع الثقة بالجهات التي قامت بتجنيدهم، خاصة بعد انكشاف عدم صحة العديد من الوعود التي قُدمت لهم، إلى جانب شعور متزايد بعدم الأمان داخل تلك المجموعات.

ويرى مراقبون أن هذه المؤشرات قد تكون بداية لمسار مشابه لما حدث مع ميليشيا أنطوان لحد في جنوب لبنان، حين انهارت سريعًا بعد فقدان الغطاء السياسي والعسكري الذي كانت تعتمد عليه.

ويستحضر كثيرون تجربة “جيش لبنان الجنوبي” باعتبارها درسًا تاريخيًا متكررًا في المنطقة، حيث غالبًا ما تنتهي التشكيلات المسلحة المرتبطة بقوى الاحتلال إلى التفكك أو الانهيار بمجرد تغير الظروف السياسية أو العسكرية.

وفي ظل التطورات الحالية في غزة، يعتقد محللون أن هذه التجربة التاريخية تبقى حاضرة في الذاكرة السياسية للمنطقة، بوصفها مثالًا واضحًا على المصير الذي تواجهه الجماعات المرتبطة بالمشاريع الخارجية عندما تتبدل موازين القوى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى