سلطة رام الله ونتائج أوسلو: مسار سياسي غطى التوسع الاستيطاني وعمق تهويد القدس

تكشف مرحلة ما بعد مسار اتفاق أوسلو عن تحول جوهري في بنية الصراع على الأرض حيث أدى تأجيل الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها الاستيطان والقدس المحتلة، إلى خلق بيئة سمحت للاحتلال بتوسيع سيطرته بشكل غير مسبوق، في ظل استمرار السلطة الفلسطينية في التمسك بالنهج ذاته دون مراجعة فعلية.
ويبرز محللون أن اتفاق أوسلو لم يشكل إطارًا انتقاليا نحو حل نهائي كما رُوّج له، بل تحوّل إلى غطاء عملي لإدارة الصراع لصالح الاحتلال، بحيث أتاح تأجيل القضايا الأساسية إلى مفاوضات “الحل النهائي” مساحة زمنية مفتوحة استُخدمت لتكريس وقائع جديدة على الأرض، خصوصًا في الضفة الغربية والقدس.
وتعكس الأرقام حجم هذا التحول بوضوح، حيث ارتفع عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية من 144 مستوطنة قبل توقيع أوسلو إلى 515 مستوطنة حتى عام 2018، ما يشير إلى توسع هيكلي في المشروع الاستيطاني خلال فترة كان يُفترض أنها مرحلة انتقالية نحو إنهائه.
وقد جرى هذا التوسع ضمن تخطيط منهجي استهدف تقطيع أوصال الضفة الغربية وفرض وقائع دائمة تحت أعين قادة سلطة رام الله.
عدد المستوطنين في الضفة الغربية
تزامن ذلك مع تضاعف عدد المستوطنين من نحو 252 ألفًا إلى 834 ألف مستوطن، يتمركز أكثر من نصفهم في القدس ومحيطها.
ويعكس هذا التركز سياسة واضحة لتغيير التركيبة الديمغرافية للمدينة، بما يعزز مشروع تهويدها ويفرض معادلات يصعب التراجع عنها في أي تسوية مستقبلية.
وتمتد هذه التحولات إلى مستوى السيطرة على الأرض، حيث ارتفعت مساحة الأراضي المصادرة لصالح الاستيطان من 136 ألف دونم إلى 500 ألف دونم، بزيادة تصل إلى 368%.
ويعكس هذا الرقم انتقال المشروع الاستيطاني من مرحلة التوسع المحدود إلى مرحلة السيطرة الواسعة، التي تستهدف إعادة رسم الخريطة الجغرافية والسياسية للضفة الغربية.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
يظهر سلوك السلطة الفلسطينية حالة من الجمود السياسي، حيث استمر التمسك بالمسار التفاوضي ذاته رغم هذه النتائج المتراكمة في نهج يعتبره مراقبون يمثل العجز عن مراجعة التجربة أو تطوير أدوات جديدة للتعامل مع الواقع المتغير.
ويشير هذا العجز إلى خلل بنيوي في مقاربة السلطة، التي استمرت في الرهان على مسار تفاوضي فقد فعاليته عمليًا، في وقت كانت فيه الوقائع على الأرض تتغير بوتيرة متسارعة.
وقد أدى هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني إلى فقدان القدرة على التأثير، وتحول الدور الفلسطيني الرسمي إلى موقع المتلقي للنتائج بدل الفاعل في صياغتها.
ويتجاوز هذا المسار حدود الفشل السياسي إلى مستوى المساهمة غير المباشرة في تسهيل التوسع الاستيطاني. فاستمرار الالتزام بالاتفاقيات دون وجود أدوات ضغط مقابلة منح الاحتلال مساحة عمل شبه مفتوحة، في ظل غياب تكلفة سياسية أو ميدانية حقيقية لسياساته.
كما ساهمت البنية الإدارية الناتجة عن أوسلو في تكريس هذا الواقع، حيث جرى تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق مختلفة الصلاحيات، ما أضعف القدرة على حماية الأرض ومنع التوسع الاستيطاني. هذا التقسيم لم يكن مجرد إجراء إداري، بل تحوّل إلى إطار دائم أعاد تشكيل العلاقة بين السلطة والأرض.
وتعكس هذه المعطيات فجوة متزايدة بين الواقع السياسي والميداني، حيث لم تعد أدوات السلطة قادرة على مواكبة التحولات، في ظل غياب استراتيجية بديلة وهو ما أدى لى تآكل الدور السياسي للسلطة، وتحولها إلى كيان إداري محدود التأثير في مسار الصراع.





