كتاب أمريكي: اتفاق أوسلو استهدف تكريس الاحتلال وليس حل الصراع

قال كتاب أصدره حديثا المحلل والأكاديمي الأمريكي البارز مارك لينش، إن اتفاق اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال الإسرائيلي لم يكن مشروع سلام حقيقياً بل استهدف تكريس الاحتلال للأراضي الفلسطينية.
وخلص الكتاب الذي حمل عنوان “الشرق الأوسط الأمريكي”، أن اتفاق أوسلو الذي لا تزال سلطة رام الله تتمسك به، شكل “نقطة التحول الأساسية التي استخدمتها الولايات المتحدة وتل أبيب لتكريس الاحتلال وإعادة هندسة القضية الفلسطينية بما يخدم التفوق الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط”.
وأكد لينش في الكتاب أن الرواية الغربية التي قدّمت أوسلو باعتباره “فرصة ضائعة للسلام” تتجاهل حقيقة أن الاتفاق صُمم منذ البداية لإدارة الصراع لا لإنهائه، عبر منح الاحتلال الإسرائيلي الوقت والمساحة لتوسيع الاستيطان وتعميق سيطرتها الأمنية والعسكرية على الأراضي الفلسطينية.
وبحسب الكتاب، فإن واشنطن لعبت دور “الوسيط المنحاز” الذي استخدم المفاوضات غطاءً سياسياً لتجميد الحقوق الفلسطينية، بينما استمرت إسرائيل في فرض الوقائع على الأرض تحت حماية أمريكية كاملة.
تهميش القضية الفلسطينية
أكد لينش في كتابه، أن أخطر ما أنتجه اتفاق أوسلو هو تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف أمني وإداري يخضع بالكامل للتوازنات الإسرائيلية والأمريكية، مع تفكيك البنية السياسية الفلسطينية وربطها بشبكة من التنسيق الأمني والاعتماد الاقتصادي.
وقال إن الولايات المتحدة قدّمت “السلام الاقتصادي” بديلاً عن إنهاء الاحتلال، فيما استُخدمت السلطة الفلسطينية كأداة لإدارة السكان الفلسطينيين تحت الهيمنة الإسرائيلية، لا كخطوة حقيقية نحو إقامة دولة مستقلة.
وأضاف أن دولة الاحتلال استغلت مرحلة ما بعد أوسلو لتوسيع المستوطنات بصورة غير مسبوقة، بينما اكتفت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بإصدار بيانات دبلوماسية شكلية دون ممارسة أي ضغط فعلي لوقف المشروع الاستيطاني.
وذكر أن واشنطن كانت تدرك تماماً أن دولة الاحتلال تستخدم المفاوضات لشراء الوقت وإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، لكنها فضلت حماية التحالف الاستراتيجي مع تل أبيب على حساب الحقوق الفلسطينية.
حصار غزة وحرب الإبادة
أكد لينش أن حصار قطاع غزة والحروب المتكررة عليه شكلت امتداداً مباشراً للنظام السياسي والأمني الذي نشأ بعد أوسلو، حيث جرى التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم “تهديداً أمنياً” يجب احتواؤه بالقوة.
ووصف حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على غزة منذ أكتوبر 2023 بأنها “النتيجة الطبيعية” لعقود من الحصانة السياسية والعسكرية التي وفرتها الولايات المتحدة لإسرائيل.
ونبه إلى أن الإدارات الأمريكية، من بيل كلينتون إلى جو بايدن، حافظت على الجوهر نفسه في التعامل مع فلسطين، رغم اختلاف الخطابات والشعارات.
فإدارة كلينتون، بحسب الكتاب، كرّست وهم “عملية السلام” بينما كانت دولة الاحتلال تعيد تشكيل الضفة الغربية بالمستوطنات والحواجز العسكرية.
أما إدارة جورج دبليو بوش فقد دمجت القضية الفلسطينية ضمن خطاب “الحرب على الإرهاب”، وهو ما منح تل أبيب غطاءً أمريكياً أوسع لتصعيد عملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين.
ورأى لينش أن إدارة باراك أوباما حاولت تقديم نفسها بصورة أكثر توازناً، لكنها عملياً واصلت حماية دولة الاحتلال سياسياً وعسكرياً، وفشلت في وقف الاستيطان أو إنهاء الحصار على غزة.
أما إدارة دونالد ترامب فقد انتقلت، وفق الكتاب، إلى مرحلة أكثر وضوحاً في الانحياز الكامل لإسرائيل، عبر الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال، ودعم الاستيطان، وطرح مشاريع لتصفية القضية الفلسطينية تحت غطاء “السلام الإقليمي”.
وأكد لينش أن إدارة بايدن أوصلت هذا المسار إلى ذروته عبر دعم دولة الاحتلال خلال حرب الإبادة على غزة، رغم حجم الدمار الإنساني غير المسبوق.
واتهم الكتاب واشنطن بالمشاركة المباشرة في حماية دولة الاحتلال من أي مساءلة دولية، سواء داخل مجلس الأمن أو عبر استمرار تزويد جيش الاحتلال بالأسلحة والغطاء السياسي.
كما لفت إلى أن الولايات المتحدة ساهمت في صناعة الرواية الإعلامية والسياسية التي تبرر استهداف المدنيين الفلسطينيين، عبر تصوير المجازر والحصار والتجويع باعتبارها جزءاً من “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”.
وأبرز أن المؤسسات السياسية والإعلامية الغربية ساهمت لعقود في تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، بحيث أصبح قتلهم أو تهجيرهم لا يثير الصدمة الأخلاقية نفسها التي قد ترافق سقوط ضحايا غربيين أو إسرائيليين.
أهداف التطبيع غير المعلنة
أبرز الكتاب أن الولايات المتحدة استخدمت موجة التطبيع العربي مع دولة الاحتلال لإعادة ترتيب المنطقة بما يضمن تفوق تل أبيب وعزل الفلسطينيين سياسياً، مع تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف ثانوي داخل النظام الإقليمي الجديد.
ورأى لينش أن واشنطن لم تكن تسعى لإنهاء الصراع بل لإدارته بطريقة تمنع أي تهديد حقيقي لإسرائيل، حتى لو أدى ذلك إلى انفجارات دورية من العنف والحروب.
وأكد أن غزة اليوم تمثل الوجه الحقيقي للنظام الذي صنعته الولايات المتحدة منذ أوسلو، حيث تحوّل الاحتلال إلى واقع دائم، وتحولت المفاوضات إلى غطاء سياسي، بينما تُستخدم القوة العسكرية والحصار والتجويع لإخضاع الفلسطينيين وكسر إرادتهم.
وخلص الكتاب إلى أن ما يجري في غزة يمثل فشلاً أمريكياً في تحقيق السلام الموعود، ونتيجة مباشرة لسياسات متعمدة استمرت لعقود، هدفت إلى حماية دولة الاحتلال وتكريس تفوقها، حتى لو كان الثمن تدمير فلسطين وارتكاب واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.




