تحليلات واراء

المليشيات العميلة داخل “الخط الأصفر”.. كيف يتحرك الاحتلال لفرض واقع جديد في غزة؟

قال رامي أبو زبيدة، الباحث في الشأن العسكري والأمني، إن مناطق ما يُعرف بـ“الخط الأصفر” التي يسيطر عليها الاحتلال في قطاع غزة تشهد تصاعدًا لافتًا في تحركات المليشيات العميلة، في مشهد لا يمكن تفسيره كحالات متفرقة أو سلوك عشوائي، بل كجزء من استراتيجية أمنية ممنهجة يقودها الاحتلال بهدف إعادة تشكيل البيئة الداخلية لصالحه وفرض واقع جديد قائم على الفوضى.

وأضاف أن هذه التحركات تأتي في توقيت حساس يتقاطع مع الضغوط الإسرائيلية المتزايدة المرتبطة بملف نزع سلاح المقاومة، وهو ما يعزز فرضية أن ما يجري هو محاولة لخلق بيئة داخلية مهزوزة تُستخدم كورقة ضغط سياسية وأمنية في آن واحد على المقاومة الفلسطينية.

المليشيات العميلة والخط الأصفر

وأشار إلى أن اللافت في سلوك هذه المليشيات هو انتقالها من العمل المحدود إلى محاولات إظهار الوجود والتنظيم والقدرة على الفعل الميداني خارج الخط الأصفر، خاصة في مناطق النزوح الهشة، فهي لم تعد تكتفي بجمع المعلومات أو تنفيذ مهام محدودة، بل باتت تتحرك ضمن مجموعات منظمة موجهة من الاحتلال استخباريًا وعسكريًا، تستخدم أدوات مركبة تبدأ بالتغلغل الناعم عبر توزيع السجائر والمعلبات لجذب المدنيين، ولا تنتهي عند استخدامهم كدروع بشرية لتأمين تحركاتها وتعقيد استهدافها، وهذا النمط يعكس تحولًا نحو فرض “حضور قسري” داخل الأطراف الرخوة في القطاع، في محاولة لتكريس صورة مفادها أن هناك قوة بديلة قادرة على الحركة والتأثير.

وفي هذا السياق، كشف عن محاولة التخريب التي أُحبطت داخل مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، موضحًا أن المخطط لم يكن مجرد عمل تخريبي، بل عملية مركبة تضمنت نية اختطاف جرحى ومصابين من داخل منشأة طبية، واستخدام مدنيين كغطاء بشري، مع وعود بتوفير غطاء جوي من الاحتلال لتأمين التنفيذ، وهو ما يشير إلى مستوى خطير من التصعيد.

وأكد أن هذا التطور يعني أن المليشيات العميلة باتت تستهدف مفاصل إنسانية حساسة، في محاولة لكسر الخطوط الحمراء وضرب الشعور بالأمان داخل أكثر الأماكن حساسية في المجتمع.

وأضاف أن التحركات الأخيرة من داخل “الخط الأصفر” تحولت إلى ساحة اختبار ميداني لفعل قد يكون أكبر في قادم الأيام، نظرًا لما تعانيه هذه المناطق من ضعف في البنية الأمنية بسبب قربها من الاحتلال، وهو ما يمنح هذه العصابات مساحة للمناورة، وقد تجلى ذلك في رصد تحركات ميدانية لمجموعات مسلحة حاولت تنفيذ أعمال تخريبية تحت غطاء توزيع مساعدات شكلية، قبل أن يتم استهدافها ميدانيًا، في مشهد يؤكد وجود تنسيق مباشر مع الاحتلال، خاصة مع تدخل الطيران لتأمين انسحابهم.

العملاء في غزة

ولا يمكن فصل هذه التحركات عن حوادث الخطف والترويع التي طالت مدنيين في مناطق شرق غزة، حيث تحاول هذه العصابات فرض سطوة أمنية قائمة على الترهيب، مستفيدة من الظروف الإنسانية الصعبة، وهو ما يعكس سعيًا واضحًا لتحويل بعض المناطق إلى بيئات رخوة يمكن التحكم بها أمنيًا واجتماعيًا.

وأشار إلى أن هذه الأنماط تحمل رسائل متعددة، أبرزها محاولة إثبات القدرة على الاختراق والوصول إلى عمق المجتمع، وخلق نموذج “أمن بديل” قائم على الفوضى، إلى جانب الضغط باتجاه نزع سلاح المقاومة، فضلًا عن خلط الأوراق بين المقاومة والفوضى الداخلية لتشويه البيئة الحاضنة، وتمهيد الطريق لأي تدخل عسكري لاحق تحت ذرائع أمنية.

كما أكد أن البعد الأخطر يتمثل في استهداف المجتمع ذاته، حيث لم يعد المدني مجرد متضرر، بل أصبح أداة يُراد توظيفها في الصراع، سواء عبر استخدامه كدرع بشري أو استغلال ظروفه المعيشية لاستقطابه أو الضغط عليه، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة المعركة نحو استهداف النسيج الاجتماعي.

وفي المقابل، شدد على أن الوعي المجتمعي والتماسك الداخلي ساهم في إحباط عدد من المخططات وكشف عناصر متورطة، كما يبرز دور لجان الأحياء والعائلات كخط دفاع أول في سد الفراغات ومنع تحول بعض المناطق إلى بيئات حاضنة للفوضى.

واختتم بالقول إن ما يجري داخل “الخط الأصفر” ليس مجرد نشاط لعصابات منفلتة، بل هو جزء من صراع أوسع مع الاحتلال الذي يسعى من خلال هذه الأدوات إلى فرض نموذج قائم على الوكلاء والفوضى وتآكل الثقة الداخلية، كمدخل لتحقيق أهدافه السياسية والعسكرية، إلا أن إفشال هذا المخطط يبقى مرهونًا بقدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه ووعيه بطبيعة هذه الحرب ورفضه أن يكون ساحة بديلة يُعاد تشكيلها وفق أجندات خارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى