عباس يفاوض على إسقاط شكوى جنوب أفريقيا ضد “إسرائيل” في محكمة العدل
مقابل الإفراج عن أموال المقاصة وتصعيد نجله داخل قيادة السلطة

كشفت مصادر عربية وفلسطينية أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يستخدم ملف إسقاط الشكوى ضد “إسرائيل” في محكمة العدل الدولية، المتعلقة بتهم ارتكاب جرائم حرب، كورقة تفاوض مقابل الإفراج عن أموال المقاصة، وتصعيد نجله ياسر داخل قيادة السلطة.
وقالت المصادر، وفق ما أورد موقع “أوروبا بالعربي”، إن عباس عرض إقناع جنوب أفريقيا والدول المتحالفة معها بسحب شكواها ضد دولة الاحتلال من محكمة العدل الدولية، بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
وبحسب المصادر، فإن عباس يطلب في المقابل الإفراج عن أموال عائدات الضرائب “المقاصة” المحتجزة لدى تل أبيب، وعدم الممانعة في صعود نجله ياسر عباس إلى سُلّم قيادة حركة فتح وسلطة رام الله.
مفاوضات عبر وسطاء
ذكرت المصادر أن مفاوضات، وصفت بالمتقدمة، تجري بين السلطة الفلسطينية، بمبادرة من رام الله، مع 13 دولة وسيطة، معظمها غربية، بهدف أن يطلب عباس رسمياً من جنوب أفريقيا والدول التي انضمت للدعوى القضائية المرفوعة ضد “إسرائيل” منذ نهاية عام 2023، سحب الشكوى من أمام محكمة العدل الدولية.
وقال مصدر فلسطيني إن عباس طلب، في مقابل خطوته، الإفراج عن أموال عائدات الضرائب، إلى جانب إثارته قضية المؤتمر الثامن لحركة فتح، المزمع تنظيمه هذا الشهر في رام الله، مطالباً بعدم ممانعة الإدارة الأمريكية تعيين نجله ياسر عباس عضواً في اللجنة المركزية لفتح، وتسليمه مهام قيادية رسمية بعد انعقاد المؤتمر.
وأوضح المصدر أن المفاوضات يشرف عليها مكتب عباس، من خلال المستشار الدبلوماسي للرئيس، مجدي الخالدي، ورئيس جهاز المخابرات العامة اللواء ماجد فرج، بالإضافة إلى نجله ياسر عباس.
وكشف مصدر فلسطيني متقاعد من السلطة الفلسطينية، رفض الكشف عن هويته، أن سياسة التجويع واللعب في مسألة الرواتب تتصل بشكل مباشر بتهيئة الرأي العام الفلسطيني لاتخاذ مثل هذه الخطوة، خصوصاً أن منظمة التحرير الفلسطينية لها سوابق في توظيف هذا السيناريو.
وأشار إلى أن ذلك بدأ من الأزمة المالية التي سبقت اتفاقية أوسلو، مروراً بالأزمة التي أعقبت فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، وما تبعها من إلغاء نتائج المجلس التشريعي، وصولاً إلى سحب تقرير غولدستون عام 2009 مقابل منح ترخيص لشركة الوطنية للاتصالات، التي يملكها جزئياً أبناء الرئيس عباس.
تفاصيل دعوى جنوب أفريقيا ضد “إسرائيل”
قال مصدر عربي إن تحركات السلطة للضغط على جنوب أفريقيا لسحب شكواها من محكمة العدل الدولية باتت مكشوفة لدى مصر، التي نأت بنفسها عن هذه القضية، لكنها تجد دعماً غير معلن من الأردن.
وكانت جنوب أفريقيا قد رفعت دعوى رسمية ضد “إسرائيل” في 29 ديسمبر 2023 أمام محكمة العدل الدولية، وهي أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة للنظر في النزاعات بين الدول.
واتهمت بريتوريا “إسرائيل” بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، وارتكاب أفعال في غزة يمكن أن ترقى إلى إبادة جماعية ضد الفلسطينيين.
وتعتمد الدعوى على اتفاقية 1948 التي تُلزم الدول بمنع الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها، مع اتهام “إسرائيل” بالقتل واسع النطاق، وتدمير البنية التحتية، وفرض ظروف معيشية قاسية على السكان.
وفي يناير 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية إجراءات مؤقتة (عاجلة)، منها مطالبة “إسرائيل” باتخاذ خطوات لمنع أعمال قد تُصنّف كإبادة جماعية، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، ما يعني أن المحكمة رأت أن ادعاءات جنوب أفريقيا “قابلة للنظر قانونياً”.
وقد تحولت القضية إلى ملف دولي كبير، حيث انضمت إليها أكثر من 12 دولة أعلنت دعمها أو نيتها الانضمام، من بينها تركيا وإيرلندا وبلجيكا ومصر ونيكاراغوا.
سابقة سحب ملف تقرير غولدستون
يُشار إلى أن عباس يمتلك سابقة بارزة في هذا السياق، إذ قام في أكتوبر 2009 بطلب تأجيل التصويت على تقرير غولدستون في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف.
وفي حينه، برر عباس القرار بأنه جاء نتيجة ضغوط دولية كبيرة، ورغبة في تحقيق توافق داخل المجلس، مشيراً إلى ضغوط من الولايات المتحدة ودول أوروبية وقوى دولية أخرى.
وقد فُهم القرار سياسياً وإعلامياً آنذاك على أنه سحب أو تجميد لملف تقرير غولدستون، ومحاولة لمنع التصعيد القانوني ضد “إسرائيل” ومساءلتها دولياً على جرائمها.
وأدى القرار إلى موجة غضب فلسطينية وعربية، باعتباره عطل مسار المساءلة الدولية، في وقت كان التقرير يمثل فرصة لمحاسبة “إسرائيل” قانونياً وربما إحالة الملف إلى مجلس الأمن أو المحكمة الجنائية الدولية، وسط اتهامات للسلطة بالرضوخ لضغوط أمريكية وإسرائيلية وتقديم أولوية للمفاوضات السياسية على حساب المساءلة القانونية.




