معالجات اخبارية

عباس يفاوض واشنطن: أموال المقاصة مقابل عدم الترشح للمناصب الأممية

كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يجري اتصالات مع الإدارة الأمريكية للتوصل إلى تفاهمات تتعلق بالإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لدى الاحتلال الإسرائيلي، مقابل التراجع عن الترشح لمناصب رفيعة داخل الأمم المتحدة.

وبحسب المصادر، فإن عباس يتجه نحو الاستجابة للضغوط الأمريكية عبر سحب أي مرشح فلسطيني من الانتخابات الأممية المقبلة، مقابل تعهدات أمريكية بتخفيف الأزمة المالية التي تعانيها سلطة رام الله، خاصة في ملف أموال الضرائب والجمارك التي تحتجزها حكومة الاحتلال.

وتأتي هذه التطورات بعد تحركات أمريكية مباشرة للضغط على البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة من أجل التخلي عن الترشح لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة كشفت حجم الضغوط السياسية التي تمارسها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على القيادة الفلسطينية.

محمود عباس ويكيبيديا

أظهرت برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ 19 مايو، وُجهت إلى السفارة الأمريكية في القدس، تعليمات واضحة بممارسة ضغوط مباشرة على قادة السلطة الفلسطينية لسحب الترشيح الفلسطيني قبل 22 مايو، مع التحذير من “عواقب وخيمة” في حال عدم الامتثال.

وبحسب البرقية، فإن الإدارة الأمريكية تخشى أن يؤدي وصول ممثل فلسطيني إلى منصب نائب رئيس الجمعية العامة إلى منح الفلسطينيين مساحة أوسع للتأثير على المناقشات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية والشرق الأوسط داخل الأمم المتحدة.

وتسعى السلطة الفلسطينية إلى الترشح ضمن حصة مجموعة آسيا والمحيط الهادئ لأحد المناصب الستة عشر الخاصة بنواب رئيس الجمعية العامة، والمقرر انتخابهم مطلع يونيو المقبل بالتزامن مع انتخاب رئيس الدورة الجديدة للجمعية العامة.

ورغم أن منصب نائب الرئيس يُعد أقل أهمية من رئاسة الجمعية العامة، فإن البرقية الأمريكية اعتبرت أن المنصب قد يسمح للفلسطينيين بإدارة جلسات رفيعة المستوى تتعلق بالقضية الفلسطينية أو تطورات الشرق الأوسط خلال اجتماعات الأمم المتحدة المقبلة في نيويورك.

عباس يستجيب للضغوط الأمريكية

كشفت البرقية أن الدبلوماسي الفلسطيني رياض منصور سبق أن سحب ترشحه لرئاسة الجمعية العامة في فبراير الماضي بعد ضغوط أمريكية مباشرة، معتبرة أن هذه الخطوة كانت “إيجابية وبنّاءة”.

لكن الإدارة الأمريكية اعتبرت أن الترشح الحالي لمنصب نائب الرئيس “يقوض خطة ترامب الشاملة” المتعلقة بإعادة ترتيب الوضع الفلسطيني وإعادة إعمار غزة، بما في ذلك مشروع “مجلس السلام” الذي تعمل واشنطن على الترويج له بدعم إقليمي.

وجاء في البرقية الأمريكية أن “منح رياض منصور منصة للتأثير لن يحسن حياة الفلسطينيين، بل سيضر بالعلاقات الأمريكية مع السلطة الفلسطينية”، مؤكدة أن الكونغرس الأمريكي “سيتعامل مع القضية بجدية كبيرة”.

كما تضمنت البرقية تهديدات مباشرة بإعادة فرض قيود على بعثة فلسطين لدى الأمم المتحدة، بما في ذلك إلغاء التأشيرات الممنوحة للدبلوماسيين الفلسطينيين العاملين في نيويورك.

وذكّرت الخارجية الأمريكية بأن إدارة ترامب كانت قد رفضت العام الماضي منح تأشيرات لمسؤولين فلسطينيين للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، قبل أن تتراجع جزئياً عن القرار لاحقاً.

وفي موازاة ذلك، استخدمت واشنطن ملف أموال المقاصة كورقة ضغط إضافية على السلطة الفلسطينية، حيث طلبت من الدبلوماسيين الأمريكيين تذكير قيادة رام الله بأن أي “تدويل للخلافات” عبر المحاكم الدولية سيؤدي إلى تعطيل أي تقدم في ملف الأموال المحتجزة.

وتُشكل أموال المقاصة نحو 60 بالمئة من إيرادات السلطة الفلسطينية، فيما يواصل وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش تجميد الجزء الأكبر منها منذ سنوات.

ويواجه اقتصاد السلطة الفلسطينية أزمة خانقة نتيجة استمرار احتجاز الأموال، ما تسبب بعجز متكرر عن دفع رواتب الموظفين العموميين بشكل كامل، إضافة إلى تصاعد الديون الداخلية وتراجع قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

تشير مصادر سياسية إلى أن واشنطن تحاول استغلال الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية لفرض تنازلات سياسية ودبلوماسية، بما يشمل الحد من التحركات الفلسطينية داخل الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، خصوصاً الملفات المتعلقة بجرائم الحرب الإسرائيلية والاستيطان.

كما يأتي التصعيد الأمريكي في وقت تتعرض فيه حكومة الاحتلال لضغوط متزايدة بسبب الملفات المفتوحة أمام المحكمة الجنائية الدولية، خاصة تلك المتعلقة بالاستيطان والعمليات العسكرية في غزة والضفة الغربية.

وكان سموتريتش قد أعلن مؤخراً أن المحكمة الجنائية الدولية تسعى لإصدار مذكرة توقيف بحقه، وسط تصاعد الانتقادات الدولية لدوره في توسيع المستوطنات وتسريع عمليات تهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية.

  1. ويرى مراقبون أن الضغوط الأمريكية الحالية تعكس توجهاً متزايداً داخل إدارة ترامب لعزل أي حضور فلسطيني فاعل داخل المؤسسات الدولية، وربط أي دعم مالي أو سياسي للسلطة الفلسطينية بمدى التزامها بالشروط الأمريكية والإسرائيلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى