أموال الحجاج قبل الحج بعام.. هل تحولت رسوم التسجيل إلى خزينة سيولة لسلطة رام الله؟

تفتح الخطوة المبكرة التي أعلنتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في سلطة رام الله لتسجيل الراغبين في أداء فريضة الحج لموسم 2026-2027 باباً واسعاً من الأسئلة حول مصير الأموال التي ستُجمع من آلاف المواطنين قبل نحو عام من موعد أداء المناسك، وطبيعة الجهة التي تديرها، وآلية الاحتفاظ بها أو استخدامها، ومستوى الرقابة المفروضة عليها.
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر مع الحديث عن رفع الرسوم المستردة المطلوبة لعملية التسجيل إلى 1000 دينار أردني، بما يعني أن كتلة مالية ضخمة يمكن أن تتجمع لدى الجهات المشرفة على موسم الحج قبل وقت طويل من سفر الحجاج أو تسوية التكاليف النهائية للموسم.
فقد أعلنت وزارة الأوقاف لموسم 1447هـ/2026 أن رسوم التسجيل بلغت 1000 دينار أردني، على أن يستردها المسجلون من البنك بعد إجراء القرعة ودون خصومات، فيما نصت تعليمات مالية أقدم صادرة عن الوزارة على مبلغ 300 دينار عند التسجيل.
وتضع وزارة الأوقاف في بيانها الرسمي سبباً واضحاً للتبكير في التسجيل، إذ تقول إن التعليمات السعودية الجديدة تطلب من الدول العربية والإسلامية الإسراع في إنهاء ترتيبات السكن ومواقع التخييم في منى وعرفات.
كما بررت الوزارة بأن الحجز المبكر للفنادق والخدمات اللوجستية والنقل يتطلب حصر الأعداد والبدء بالالتزامات المالية قبل فترة طويلة من موعد الحج.
لكن هذا التفسير يفتح في المقابل سؤالاً مالياً أكبر: كم ستبلغ قيمة الأموال التي ستدخل إلى الحسابات المخصصة للحج إذا دفع آلاف المواطنين مبلغاً مقداره 1000 دينار لكل طلب أو مسجل وفق الآلية الجديدة؟ وكم من الوقت ستبقى هذه الأموال تحت إدارة وزارة الأوقاف قبل أن تتحول إلى دفعات فعلية للشركات والفنادق والنقل والخدمات، أو قبل أن تعاد إلى أصحابها؟
بدء التسجيل لموسم الحج
تظهر الحسابات الأولية حجم الكتلة المالية المحتملة. فلو سجل 10 آلاف مواطن ودفع كل منهم 1000 دينار، فإن المبلغ يصل إلى 10 ملايين دينار أردني. وإذا بلغ عدد المسجلين 20 ألفاً، فإن الكتلة النقدية ترتفع إلى 20 مليون دينار. أما وصول عدد المسجلين إلى 30 ألفاً فيعني تجميع نحو 30 مليون دينار.
ويعني ذلك كتلة نقدية ضخمة ستُجمع مقدماً من المواطنين وتبقى في الدورة المالية للحج لفترة قد تمتد أشهراً طويلة، وربما تقارب عاماً كاملاً بحسب توقيت التسجيل والتعاقدات النهائية.
وتنص التعليمات المالية والإدارية لشؤون الحج والعمرة الصادرة عن وزارة الأوقاف على فتح حسابات خاصة تحت اسم “أمانات الحج والعمرة” في البنوك المعتمدة في فلسطين والسعودية، وإيداع رسوم خدمات الحج وإيرادات العمرة فيها، وصرف النفقات المتعلقة بالحج والعمرة من هذه الحسابات.
كما تنص المادة ذاتها على احتساب مبلغ التسجيل من التكلفة الإجمالية للحج عند حلول دور المسجل.
وتزداد أهمية الأسئلة المطروحة على هذا التعديل في ظل تجربة الموسم السابق. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 أعلنت وزارة الأوقاف فتح التسجيل لموسم حج 2026، وطلبت دفع 500 دينار أردني، مؤكدة أن المبلغ سيسترد بعد القرعة من البنك نفسه.
وفي أبريل/نيسان 2026 أعلنت الوزارة بالفعل بدء استرجاع المبلغ لجميع المسجلين، سواء ممن حالفهم الحظ أو من لم يحالفهم، ما يؤكد أن الأموال كانت مودعة ومحتجزة ضمن الدورة المالية للحج طوال فترة التسجيل والقرعة والإجراءات اللاحقة.
لكن الفارق هذه المرة يتمثل في التبكير الكبير في بدء الإجراءات، إذ تربط الوزارة التسجيل المبكر مباشرة بالحاجة إلى الالتزامات المالية والتعاقدات المسبقة، بما يشمل الفنادق والسكن ومخيمات المشاعر والنقل. وهنا تصبح الأموال التي يدفعها المواطنون جزءاً من القدرة المالية التي تسمح للوزارة بالدخول في تعاقدات مبكرة.
ويطرح ذلك مقارنة تفرض نفسها: فالمواطن الذي يدفع مبلغاً كبيراً قبل أشهر طويلة من الحج يقدم عملياً سيولة مالية مسبقة تظل تحت إدارة الجهة الرسمية إلى حين استردادها أو احتسابها ضمن التكلفة النهائية للحج.
وتتحول المسألة إلى اختبار للشفافية مع تضخم الأرقام. فكل زيادة في رسوم التسجيل، وكل تبكير في موعد جمعها، يعني عملياً زيادة حجم الأموال التي تصبح تحت إدارة وزارة الأوقاف لفترة أطول. وإذا كان الرسم السابق في موسم 2026 يبلغ 500 دينار، فإن رفعه إلى 1000 دينار، سيضاعف حجم السيولة الناتجة عن العدد نفسه من المسجلين.
وتبقى الأسئلة مفتوحة أمام وزارة الأوقاف: كم مليون دينار ستجمع من التسجيل المبكر؟ وفي أي حسابات ستودع؟ ومن يملك صلاحية الصرف منها؟ وما حجم الأموال التي ستدفع فعلياً مقدماً لحجز خدمات الحجاج؟ ومتى يحصل المواطن الذي لا يحالفه الحظ على أمواله كاملة؟.
وتفرض ملايين الدنانير التي يمكن جمعها قبل الحج بعام تقريباً معادلة مختلفة عن مجرد “رسوم تسجيل”. فالمواطن لا يدفع فقط مقابل إدخال اسمه في سجل القرعة، بل يضع مبلغاً كبيراً تحت إدارة جهة رسمية لفترة طويلة، مقابل وعد باسترداده أو احتسابه لاحقاً من تكلفة الحج.
وبين الحاجة الفعلية إلى التعاقد المبكر التي أعلنتها الوزارة، وحق المواطنين في معرفة مصير أموالهم خلال أشهر الانتظار، يبقى السؤال الأهم: هل ستتعامل وزارة الأوقاف مع هذه الملايين باعتبارها أموال أمانات تخضع لكشف حساب علني وشفاف، أم ستبقى حركة هذه السيولة بعيدة عن معرفة أصحابها حتى يحين موعد استردادها أو السفر إلى الحج؟.





