عباس ثاني أكبر رئيس في العالم سناً يتشبث بالحكم رغم الرفض الشعبي الكاسح

يواصل رئيس سلطة رام الله محمود عباس، البالغ من العمر (91 عاماً)، إدارة السلطة ومنظمة التحرير بالمراسيم والقرارات الأحادية، رغم تصاعد المطالب الشعبية باستقالته وتراجع شعبيته إلى مستويات متدنية.
ويعد عباس ثاني أكبر رئيس في العالم سناً بعد رئيس الكاميرون بول بيا، البالغ من العمر 92 عاماً.
ويمضي عباس في عامه العشرين في رئاسة السلطة، بعدما انتُخب عام 2005 خلفاً للرئيس الراحل ياسر عرفات، فيما لم تشهد الساحة الفلسطينية انتخابات رئاسية جديدة طوال هذه المدة، كما تعطلت الانتخابات التشريعية لسنوات طويلة، لتبقى المؤسسات الفلسطينية خاضعة لواقع سياسي يفتقر إلى تجديد التفويض الشعبي.
شعبية محمود عباس
كشفت نتائج استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية “PSR” استمرار حالة الاستياء من قيادة سلطة رام الله، إذ لم يحصل عباس سوى على 14% من الدعم الشعبي، بينما طالب 79% من المستطلعين باستقالته، في مؤشر على التراجع الحاد في مكانته داخل الرأي العام الفلسطيني.
ويواصل عباس الحكم رغم هذه المؤشرات، بينما تغيب الانتخابات التي يمكن أن تمنح الفلسطينيين فرصة لاختيار قيادة جديدة أو محاسبة القيادة القائمة عبر صناديق الاقتراع.
ويمارس عباس سلطته في مناطق محدودة ومجزأة من الضفة الغربية، في وقت تبقى فيه قدرته على التأثير في الملفات المصيرية مقيدة بالسيطرة الإسرائيلية الواسعة على الأرض والاقتصاد والمعابر والموارد.
وبينما يحتفظ بلقب رئيس السلطة ومؤسساتها، يبدو هامش تأثيره على الوقائع التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي محدوداً، كما يواجه صعوبة في فرض دور سياسي له في مستقبل قطاع غزة بعد الحرب.
وترك هذا الضعف الفلسطينيين أمام أزمة قيادة في واحدة من أخطر المراحل التي يمر بها المشروع الوطني، بالتزامن مع الحرب المدمرة على قطاع غزة، وضم الاحتلال لأجزاء واسعة من الضفة الغربية، واستمرار التوسع الاستيطاني وتصاعد اعتداءات المستوطنين.
وتتراجع في الوقت نفسه آفاق إقامة الدولة الفلسطينية التي شكلت المحور الأساسي لسياسة عباس طوال عقدين. ويدفع حلفاء اليمين الإسرائيلي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باتجاه ضم أجزاء من الضفة الغربية، في خطوات من شأنها تقويض ما تبقى من إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وتزداد أزمة عباس تعقيداً مع تراجع مكانته في الحسابات الدولية، إذ انصاعت الولايات المتحدة للرفض الإسرائيلي لمنح سلطة رام الله برئاسة عباس دوراً مباشراً في إدارة قطاع غزة بعد الحرب.
وتواجه السلطة بذلك خطر الاستبعاد من أحد أهم الملفات الفلسطينية في المرحلة المقبلة، بينما يبقى عباس مهمشاً في عملية رسم مستقبل القطاع.
عباس عبء على الفلسطينيين
قال خليل الشقاقي، رئيس شركة الشعب لاستطلاعات الرأي وأبحاث المسح، إن عباس “وضع رأسه في الرمال ولم يتخذ أي مبادرة”.
وأضاف الشقاقي: “لقد فقد شرعيته منذ زمن طويل”، معتبراً أن عباس “أصبح عبئاً على حزبه وعلى الفلسطينيين ككل”.
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة الشقاقي في أكتوبر أن 80% من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يؤيدون استقالة عباس، بما يعكس استمرار الرفض الشعبي لقيادته.
وتواجه مؤسسات السلطة انتقادات متكررة تتعلق بالفساد وضعف الحوكمة، فيما يحصر عباس عملية صنع القرار في دائرة ضيقة من المقربين منه، وفي مقدمتهم حسين الشيخ، الذي عُيّن نائباً له.
ويعيد هذا الواقع إلى الواجهة أزمة الخلافة، إذ يجري تداول مستقبل القيادة داخل الدائرة السياسية القائمة، بينما يغيب الشعب عن تقرير من سيقود النظام السياسي الفلسطيني في المرحلة المقبلة.
وتأتي أزمة الشرعية الداخلية بالتوازي مع استمرار التعاون الأمني بين السلطة والاحتلال الإسرائيلي، وهو الملف الذي شكل أحد أكثر جوانب حكم عباس إثارة للانتقادات الفلسطينية.
وتتبادل أجهزة السلطة المعلومات الأمنية مع الاحتلال، وتنفذ حملات ملاحقة وقمع ضد فصائل المقاومة، ما جعل السلطة تؤدي دوراً أمنياً يخدم الاحتلال في وقت يواصل فيه ابتلاع الأراضي الفلسطينية.
وقال عبد الجواد عمر، الأستاذ المساعد للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بير زيت، إن السلطة “اختارت أن تضع نفسها جنباً إلى جنب مع الاحتلال الإسرائيلي، حتى في الوقت الذي تعمل فيه إسرائيل على جعلها أكثر هشاشة وضعفاً”.
ويبرز في هذا السياق أن عباس لم ينجح في وقف سياسة إضعاف السلطة، كما حدّ، وفق منتقديه، من ظهور بدائل سياسية وشبابية قادرة على إعادة تشكيل الحياة الفلسطينية.
واعتبر عمر أن خوف عباس من المنافسين أدى إلى الحد من المشاركة الواسعة وعرقلة ظهور قيادات بديلة أو حركات شعبية، حتى في إطار المقاومة السلمية والعصيان المدني.
وتبرز الأزمة بصورة أوضح مع تراجع ثقة الفلسطينيين بإمكانية إجراء انتخابات حقيقية. فقد أظهر استطلاع أن 60% من المشاركين يشككون في إمكانية تنفيذ عباس وعده بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.
وبحسب نتائج الاستطلاع، فإن مروان البرغوثي سيكون الأوفر حظاً في حال إجراء انتخابات، فيما سيأتي عباس في المركز الثالث وبفارق كبير عن منافسيه، الأمر الذي يعكس حجم التراجع في موقعه السياسي والشعبي.
ويختصر المشهد أزمة رجل بقي في السلطة عشرين عاماً، بينما تتآكل شرعيته الشعبية وتتراجع مساحة نفوذه السياسي. وبينما يطالب 79% من المستطلعين باستقالته ولا يمنحه سوى 14% الدعم، تستمر المراسيم في إدارة الحياة السياسية، وتبقى الانتخابات الرئاسية مؤجلة.





