بين العجز الأمني وغياب البدائل: 80 ألف رجل أمن بالضفة بدون أي استراتيجية وطنية

يتصاعد الغضب الشعبي تجاه سلطة رام الله بشأن طبيعة دورها ووظيفتها في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، بعدما كررت قياداتها التأكيد أن الدخول في مواجهة عسكرية مع الاحتلال ليس خياراً واقعياً بسبب العجز الأمني واختلال موازين القوى، وأن أي مواجهة مفتوحة ستؤدي إلى اجتياح واسع وتدمير ما تبقى من مؤسسات السلطة.
ويستند هذا الخطاب إلى معادلة تقول إن دولة الاحتلال تمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً، وإن أي صدام مباشر سيقود إلى نتائج كارثية شبيهة بما تعرض له قطاع غزة، وهو ما تستخدمه السلطة لتبرير رفضها خيار المقاومة، والدفاع عن سياساتها الأمنية باعتبارها وسيلة لتجنب انهيار الوضع الداخلي.
إلا أن هذا التبرير لم يعد كافياً للإجابة عن الأسئلة المتزايدة داخل الشارع الفلسطيني، والتي لم تعد تتركز حول غياب المواجهة العسكرية فقط، وإنما حول غياب أي استراتيجية بديلة قادرة على فرض كلفة سياسية أو قانونية أو دبلوماسية على الاحتلال.
السلطة الفلسطينية وطبيعة المشروع الوطني
يبرز نشطاء أن أحداً لا يطالب السلطة بخوض “حرب انتحارية” مع الاحتلال في ظل الإدراك الواسع لحجم الفارق العسكري بين الطرفين، لكنهم يتساءلون في المقابل عن طبيعة المشروع الوطني الذي تديره السلطة إذا كانت تستبعد المواجهة العسكرية، ولا تنجح في الوقت نفسه في تفعيل أدوات المواجهة السياسية والقانونية والشعبية.
ويثار في هذا السياق تساؤلات حول الاستراتيجية التي تعتمدها السلطة إذا كانت تعتبر الخيار العسكري مستحيلاً، وما إذا كانت تملك خطة واضحة لمراكمة الضغوط السياسية والدبلوماسية والقانونية على الاحتلال، أم أن إدارة الأزمة أصبحت هدفاً بحد ذاته دون وجود أفق سياسي واضح.
ويزداد الجدل مع استمرار توسع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، وتصاعد الاقتحامات العسكرية، ومصادرة الأراضي، واعتداءات المستوطنين، فيما ردود الفعل الرسمية تقتصر غالباً على بيانات الإدانة أو التحركات الدبلوماسية المحدودة، دون أن تنجح في وقف السياسات الإسرائيلية أو الحد من آثارها.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً آخر يتعلق بحدود المقاومة التي تقبل بها السلطة. فإذا كانت ترى أن المقاومة المسلحة غير ممكنة بسبب اختلال ميزان القوة، فهل ينطبق ذلك أيضاً على أشكال المقاومة الشعبية والمدنية والاقتصادية والقانونية؟ أم أن حالة الردع الإسرائيلية تحولت إلى عامل يقيّد مختلف أشكال المواجهة، وليس العمل المسلح فقط؟.
دور الأجهزة الأمنية الفلسطينية
كما يتجدد النقاش بشأن دور الأجهزة الأمنية الفلسطينية، التي تضم عشرات الآلاف من العناصر، وسط تساؤلات عن طبيعة وظيفتها الأساسية في ظل استمرار الاحتلال.
ويؤكد النشطاء أن الأمن في أي مشروع وطني تحت الاحتلال يفترض أن يكون جزءاً من منظومة حماية المجتمع والأرض، لا سيما في ضوء استمرار التشبث بنهج التنسيق الأمني الذي يثير جدلاً واسعاً داخل الساحة الفلسطينية.
وتزداد حدة الانتقادات مع تكرار حوادث توقيف أو ملاحقة ناشطين ومعارضين على خلفية آرائهم أو نشاطهم السياسي، وهو ما يدفع كثيرين إلى التساؤل عن أسباب قدرة السلطة على التحرك بسرعة تجاه منتقديها، مقابل محدودية قدرتها على اتخاذ خطوات مؤثرة عندما يتعلق الأمر بانتهاكات الاحتلال بحق الفلسطينيين.
وقد ساهمت هذه المفارقة في ترسيخ انطباع لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين بأن القبضة الأمنية تبدو أكثر حضوراً في إدارة الشأن الداخلي منها في حماية الحقوق الوطنية، وهو ما انعكس على مستويات الثقة بالمؤسسات الرسمية.
ويطرح ذلك سؤالاً آخر حول ما إذا كان الخوف من رد الفعل الإسرائيلي لا يزال مجرد تقدير أمني، أم أنه تحول إلى فلسفة سياسية تحكم حدود الحركة الفلسطينية، وتحدد مسبقاً ما يمكن للسلطة القيام به وما تعتبره خارج نطاق الممكن.
وتتجاهل قيادة سلطة رام الله حقيقة أن اختلال ميزان القوى العسكرية لا يمنع، من حيث المبدأ توسيع استخدام أدوات أخرى، مثل تفعيل المسارات القانونية الدولية، وتعزيز حملات المقاطعة، واستثمار القرارات الأممية، وتوحيد الموقف الفلسطيني، وإطلاق حراك شعبي منظم، وهي أدوات لم تُستخدم بالزخم الذي يتناسب مع حجم التحديات القائمة.
وفي ظل استمرار الاحتلال وتوسع الاستيطان، يتساءل كثيرون عما إذا كان الحفاظ على الهدوء الأمني يمثل بالفعل حالة استقرار، أم أنه تحول إلى إدارة هادئة للأزمة، تسمح باستمرار الوقائع التي يفرضها الاحتلال على الأرض دون تغيير ملموس في موازين الصراع.
كما تتصاعد التساؤلات حول آليات المساءلة داخل النظام السياسي الفلسطيني، في ظل غياب الانتخابات العامة وتعطل المجلس التشريعي، الأمر الذي يجعل محاسبة السلطة على أدائها مسألة معقدة، بينما تتراجع أدوات الرقابة الشعبية والمؤسسية.
إذ أن وظيفة الأجهزة الأمنية في أي نظام سياسي يجب أن تتمثل في حماية المجتمع ومصالح المواطنين، لا أن ينحصر دورها في حماية السلطة أو ضمان استقرارها السياسي، وهو ما يعكس أزمة أعمق تتعلق بتعريف وظيفة السلطة نفسها بعد أكثر من ثلاثة عقود على تأسيسها.
وفي خضم هذا النقاش، يبرز السؤال الذي بات يتكرر على نطاق واسع داخل الأوساط الفلسطينية: إذا كانت السلطة تؤكد أنها غير قادرة على مواجهة الاحتلال عسكرياً، ولا تنجح في ممارسة ضغوط سياسية أو قانونية مؤثرة عليه، وفي الوقت نفسه تواجه انتقادات بسبب تضييقها على المعارضة الداخلية، فما هي المساحة المتبقية التي تستطيع من خلالها إقناع الفلسطينيين بأنها لا تزال تمارس دوراً وطنياً يتجاوز إدارة الشؤون اليومية تحت الاحتلال؟.





