تحليلات واراء

إهمال السلطة الفلسطينية يهدد بانهيار المستشفيات في الضفة الغربية

وسط توقف التمويل وتراكم الأزمات

يواجه القطاع الصحي في الضفة الغربية المحتلة واحدة من أسوأ أزماته منذ سنوات، مع تحذيرات متزايدة من انهيار المستشفيات نتيجة نقص التمويل، وتراجع قدرة السلطة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه المؤسسات الصحية، ما انعكس بشكل مباشر على المرضى والأطباء والخدمات الطبية الأساسية.

وكشف الطبيب الفلسطيني حازم أبو سندس، العامل في قسم الطوارئ والأورام في مستشفى دورا بالضفة الغربية، أن المستشفيات وصلت إلى مرحلة خطيرة من الانهيار التدريجي، مع نفاد الأدوية وتعطل العمليات الجراحية وتأثر آلاف المرضى.

وقال أبو أبو سندس في مقال نشره موقع “ميدل إيست آي” إن النظام الصحي الفلسطيني يشهد تدهوراً مستمراً منذ سنوات، لكنه تفاقم بصورة حادة خلال العامين الأخيرين، موضحاً أن “المستشفيات تحتضر والرفوف أصبحت فارغة”.

وتعود جذور الأزمة إلى الانهيار المالي الذي تعاني منه السلطة الفلسطينية، وعدم قدرتها على توفير التمويل اللازم لوزارة الصحة، إضافة إلى أزمة احتجاز إسرائيل لعائدات الضرائب الفلسطينية التي تمثل أكثر من 60% من إيرادات السلطة.

ويزيد تفاقم الأزمة انحراف أولويات السلطة في الإنفاق المالي وتجاهلها الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين فضلا عن تفشي مظاهر الفساد في مؤسساتها ووزارتها.

وقد أدى توقف التدفقات المالية إلى عجز وزارة الصحة عن دفع مستحقات الموردين وشركات الأدوية والمستشفيات الخاصة، ما تسبب في انقطاع وصول الأدوية والمعدات الطبية والمستلزمات الجراحية الأساسية.

تأثير أزمة الرواتب

بحسب شهادات من داخل القطاع الصحي، فإن الأزمة امتدت إلى العاملين الصحيين أنفسهم، إذ يعاني الأطباء والموظفون من تأخر الرواتب أو دفع أجزاء منها فقط، الأمر الذي جعل بعضهم غير قادرين على تحمل تكاليف الوصول إلى أماكن عملهم أو تلبية الاحتياجات الأساسية لأسرهم.

وقال الطبيب أبو سندس إن “المعالجين أنفسهم يتعرضون للانهيار مع انهيار النظام الصحي”، في إشارة إلى الضغوط المالية والنفسية التي يواجهها الطاقم الطبي.

وتظهر الأزمة بصورة أكثر قسوة داخل أقسام الأورام، حيث تحولت مراكز علاج السرطان من أماكن يفترض أن تمنح الأمل إلى أماكن للانتظار أو الرفض بسبب غياب الأدوية.

وأوضح أبو سندس أن مرضى سرطان كانوا يستجيبون للعلاج بدأت أوضاعهم الصحية تتدهور بعد تأجيل جلسات العلاج الكيميائي بسبب عدم وصول الأدوية إلى الصيدليات التابعة للمستشفيات.

وأضاف أن انقطاع العلاج لدى بعض المرضى تسبب بتحول أمراض كان يمكن السيطرة عليها إلى حالات خطيرة تهدد الحياة، مشيراً إلى أن الوقت بالنسبة لمريض السرطان ليس مجرد انتظار، بل عامل حاسم بين السيطرة على المرض أو انتشاره.

نقص الأدوية وغياب التمويل الحكومي

لا يقتصر النقص على أدوية السرطان فقط، إذ تواجه المستشفيات نقصاً متزايداً في المضادات الحيوية وأدوية الطوارئ والمسكنات، ما يضع الأطباء أمام خيارات محدودة لا تسمح بتقديم مستوى الرعاية المطلوب.

وفي غرف العمليات، أدى غياب التمويل ونقص المستلزمات الطبية إلى تأجيل العديد من العمليات الجراحية، رغم جاهزية الأطباء وحاجة المرضى الملحة.

وذكر التقرير حالة مريض كان ينتظر عملية فتق بسيطة، لكن تأجيلها المتكرر بسبب الأزمة حولها إلى حالة طارئة بعدما تلف جزء من الأنسجة، ما اضطر الأطباء إلى إجراء عملية أكثر تعقيداً واستئصال جزء من أمعائه.

كما يعاني مرضى القلب والإصابات والحالات الطارئة من تأخيرات متكررة، بينما تغلق بعض العيادات الخارجية أبوابها بسبب نقص التمويل وعدم توفر القدرة التشغيلية.

وتفاقمت الأزمة مع تراجع قدرة المستشفيات الخاصة على استقبال الحالات المحولة من القطاع الحكومي، بعدما تراكمت عليها ملايين الدولارات من المستحقات غير المدفوعة من السلطة الفلسطينية.

وكانت هذه المستشفيات تمثل سابقاً شبكة دعم عندما تصل المرافق الحكومية إلى طاقتها القصوى، لكنها اليوم باتت عاجزة عن تحمل المزيد من الأعباء المالية.

وتكشف حالة طفل يبلغ عامين أصيب بنزيف دماغي وإصابات خطيرة حجم الأزمة، إذ حاولت الفرق الطبية نقله بين عدة مستشفيات للحصول على جراحة متخصصة، لكن أياً منها لم يتمكن من استقباله بسبب نقص الإمكانيات والضغوط المالية.

ورغم استمرار الأطباء في العمل وسط هذه الظروف، يؤكد العاملون الصحيون أن الالتزام المهني لا يمكن أن يكون بديلاً عن التمويل والأدوية والمعدات والبنية الصحية القادرة على إنقاذ الأرواح.

ويحذر أطباء من أن استمرار إهمال القطاع الصحي وعدم معالجة الأزمة المالية سيؤدي إلى مزيد من التدهور، حيث يدفع المرضى الثمن الأكبر نتيجة نقص العلاج وتعطل الخدمات الطبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى