تحليلات واراء

محمود عباس بين ضغط الخارج وهندسة الداخل للحفاظ على كرسي الحكم

يدفع رئيس سلطة رام الله محمود عباس منذ أشهر، باتجاه سلسلة من القرارات السياسية والقانونية المتلاحقة تحت عنوان “الإصلاح” والانتخابات العامة، في محاولة لإدارة ضغوط خارجية وإعادة ترتيب مراكز القوة داخل السلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح.

وعمد عباس إلى تبني مسار متشابك بدأ بتعديلات انتخابية، وامتد إلى الحديث عن دستور مؤقت، وصولاً إلى إعادة ترتيب مواقع الخلافة السياسية حول عباس، بينما بقيت المؤسسات الرئيسية تعاني حالة طويلة من الجمود، في ظل حرب إسرائيلية مدمرة على غزة وتصاعد الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية المحتلة.

ويؤكد المفكر الفلسطيني أنيس قاسم، أن عباس لم يتحرك نحو الانتخابات والإصلاحات نتيجة مبادرة داخلية لمعالجة الأزمة السياسية المتراكمة، بل تحت ضغط دولي متزايد يطالب بإصلاح السلطة الفلسطينية وإعادة تأهيلها لتكون جزءاً من ترتيبات سياسية مستقبلية.

وقد برزت ملامح هذا المسار في قرارات انتخابية متلاحقة، شملت تعديل قواعد الترشح وتوسيع بعض الأطر الانتخابية، إلا أن هذه الإجراءات رافقتها، خطوات أخرى حدّت من قدرة الخصوم السياسيين على المشاركة بحرية.

وخفض مرسوم رئاسي صادر في 4 يونيو سن الترشح من 28 عاماً إلى 23 عاماً، كما خفض العتبة الانتخابية اللازمة للفوز بمقاعد برلمانية إلى 1%.

لكن تعديلات أخرى اشترطت على المرشحين توقيع تعهد بالالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، بما يتضمنه من التزامات سياسية مرتبطة بمرحلة أوسلو والاعتراف بإسرائيل ونبذ المقاومة المسلحة.

بالتالي كرس عباس إظهار أن بعض الخطوات تبدو وكأنها توسع هامش المشاركة شكلياً، بينما تفرض خطوات أخرى شروطاً سياسية مسبقة على من يريد دخول العملية الانتخابية.

محمود عباس ويكيبيديا

تزداد الشكوك بشأن نوايا عباس وفريقه مع الحديث عن تعديل جديد لتركيبة المجلس الوطني الفلسطيني.

إذ أن الحديث كان يقوم على إعادة عدد مقاعد المجلس التشريعي إلى 132 مقعداً، وتحويل 68 مقعداً إضافياً إلى كتلة يتم اختيارها عبر “التوافق” بدلاً من الانتخاب، بما قد يمنح عباس نفوذاً مباشراً في اختيار نسبة مؤثرة من أعضاء المجلس الوطني.

ويمثل ذلك نموذجاً لمشكلة أعمق في إدارة العملية السياسية، إذ يجري الإعلان عن توسيع المشاركة الديمقراطية بالتوازي مع البحث عن آليات تبقي السيطرة النهائية في يد القيادة القائمة.

وتتصل هذه التحركات أيضاً بملف خلافة عباس نفسه. فقد جرى خلال السنوات الأخيرة تعزيز موقع حسين الشيخ داخل مؤسسات منظمة التحرير والسلطة، بعدما أصبح عضواً في اللجنة التنفيذية ثم أميناً لسرها، قبل أن يحصل في أبريل 2025 على منصبي نائب رئيس دولة فلسطين ونائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.

وفي أكتوبر 2025، أصدر عباس مرسوماً يقضي بتولي الشيخ الرئاسة بالإنابة لمدة تصل إلى 90 يوماً في حال وفاة الرئيس أو عجزه عن أداء مهامه، وهو ترتيب أثار انتقادات قانونية وسياسية، باعتبار أن المادة المقدمة تشير إلى عدم استناده إلى نص صريح في القانون الأساسي الفلسطيني.

خلافة محمود عباس

استكمل حسين الشيخ تموضعه السياسي بعد انتخابه نائباً لرئيس حركة فتح، بينما انتُخب ياسر محمود عباس عضواً في اللجنة المركزية للحركة، في خطوة تعد جزءاً من إعادة رسم مراكز النفوذ داخل المؤسسة التي يسيطر عليها عباس.

ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة تجربة انتخابات عام 2021، عندما وصلت العملية الانتخابية إلى مراحل متقدمة وبرزت قوائم متعددة، بينها قوائم انشقت عن حركة فتح نفسها، قبل أن يقرر عباس إلغاء الانتخابات قبل 23 يوماً من موعد الاقتراع.

وتذرعت قيادة سلطة رام الله آنذاك بمنع الاحتلال الإسرائيلي إجراء الانتخابات في القدس، بينما تم الكشف لاحقا من مصادر متطابقة، أن القرار عكس خشية من فقدان السيطرة على المشهد السياسي.

وكان نحو 1400 مرشح قد تقدموا للمنافسة، فيما تنافست 29 قائمة حزبية على 132 مقعداً، الأمر الذي كشف حجم الحيوية السياسية التي كانت الانتخابات قد بدأت بإنتاجها قبل إلغائها.

شلل المؤسسات الفلسطينية الرسمية

تأتي هذه المناورات السياسية في وقت تعيش فيه المؤسسات الفلسطينية حالة من الشلل. فمنذ 7 أكتوبر 2023، ازداد تهميش السلطة الفلسطينية، بينما عجزت منظمة التحرير، عن بلورة رد سياسي جامع على الحرب الإسرائيلية، ولم يعقد المجلس الوطني الفلسطيني اجتماعاً خلال فترة الهجوم على غزة.

وبينما تنشغل القيادة في رام الله بإعادة ترتيب القوانين والمقاعد والمناصب، تواجه القضية الفلسطينية واحدة من أكثر مراحلها خطورة، مع استمرار الدمار في غزة وتسارع الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية.

وتكشف هذه المفارقة جوهر الأزمة التي تواجه قيادة محمود عباس: سلطة تبحث عن شرعية جديدة، لكنها تخشى في الوقت نفسه استحقاقات الديمقراطية الحقيقية؛ ومؤسسات يُفترض إعادة بنائها، بينما يجري ترتيبها من الأعلى؛ وانتخابات يجري الترويج لها باعتبارها إصلاحاً.

فيما يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى استعداد عباس فعلاً للمخاطرة بالسيطرة التي احتفظ بها على النظام السياسي الفلسطيني طوال سنوات.

وتبقى التجربة السابقة حاضرة بقوة، خصوصاً مع استمرار قدرة الاحتلال الإسرائيلي على عرقلة الانتخابات في القدس، وهي الذريعة التي استخدمها عباس عام 2021 لإلغاء الاقتراع، فيما يبقى احتمال أن يعود ملف القدس مجدداً كعامل حاسم في تحديد مصير أي انتخابات مقبلة.

وهكذا تبدو الأزمة أبعد من مجرد موعد انتخابي أو تعديل قانوني. فهي أزمة نظام سياسي ظل سنوات طويلة عاجزاً عن تجديد شرعيته، بينما يسعى رئيسه اليوم، تحت ضغط الخارج، إلى تقديم صورة الإصلاح من دون ضمان أن يؤدي هذا الإصلاح فعلياً إلى كسر احتكار السلطة أو إعادة القرار إلى الفلسطينيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى