تحركات السلطة في أوروبا تفتح مواجهة حول انتخابات المجلس الوطني

تتجدد النقاشات الفلسطينية حول الانتخابات وسبل تجديد الشرعية السياسية، بالتزامن مع تحركات السلطة للتحضير لانتخابات المجلس الوطني والتواصل مع الجاليات الفلسطينية في عدد من الدول، وسط استمرار الانقسام وغياب التوافق على شكل العملية الانتخابية وآلياتها.
وفي هذا السياق، كتبت الكاتبة السياسية ميساء المصري: “يفترض أن تكون الانتخابات الفلسطينية أداة لتجديد الشرعية وتوحيد المجتمع وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية، لكن طرحها في الظروف الراهنة يثير تساؤلات حول قدرتها على تحقيق هذه الأهداف”.
وتابعت المصري: “غياب التوافق الوطني واستمرار الانقسام والظروف الاستثنائية التي يعيشها الفلسطينيون قد يحول العملية إلى استحقاق شكلي يعيد إنتاج الأزمة بدل حلها. كما أن أي انتخابات لا تضمن مشاركة فلسطينية شاملة ولا تعالج الانقسام السياسي والمؤسساتي ستبقى محدودة النتائج”.
وأضافت: “الانتخابات ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لإعادة ترتيب البيت الداخلي وبناء شرعية وطنية حقيقية. نجاحها يحتاج إلى توافق واسع وضمانات سياسية وقانونية وبيئة تسمح بالمنافسة والمشاركة، بما يجعل صندوق الاقتراع مدخلًا للوحدة لا محطة إضافية للصراع الداخلي”.
الانتخابات وتحركات السلطة
ويتقاطع هذا الطرح مع الخلاف الدائر حول التحضيرات لانتخابات المجلس الوطني، ولا سيما ما يتعلق بمشاركة الفلسطينيين في الخارج وطريقة اختيار ممثليهم، وهو الملف الذي انتقد بشأنه رئيس “المجلس الأوروبي الفلسطيني للعلاقات السياسية”، ماجد الزير، التحركات التي تجريها السلطة في عدد من الدول.
وقال الزير إن إرسال وفود رسمية إلى دول مختلفة للتحضير للانتخابات يعكس مقاربة لا تلبي متطلبات المرحلة ولا تمنح الفلسطينيين في الخارج دورًا يتناسب مع حجمهم في المجتمع الفلسطيني.
وأشار إلى أن الفلسطينيين يعيشون مرحلة شديدة الحساسية، في ظل الحرب في قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان والضم في الضفة الغربية، والاعتداءات على القدس، إلى جانب الأوضاع الصعبة التي يعيشها اللاجئون في مخيمات الشتات والأسرى في سجون الاحتلال.
ويرى الزير أن هذه الظروف تتطلب إعادة ترتيب مؤسسات التمثيل الفلسطيني، وفي مقدمتها منظمة التحرير، من خلال عملية انتخابية تشمل الفلسطينيين في الداخل والخارج، بدل حصر عملية إعادة تشكيل المؤسسات في ترتيبات لا تحظى بتوافق واسع.
ويتركز جانب أساسي من اعتراض الزير على التوزيع المقترح لمقاعد المجلس الوطني، إذ أشار إلى تخصيص 150 مقعدًا لفلسطينيي الخارج مقابل 200 مقعد للداخل.
واعتبر أن هذه الصيغة تمثل انتقاصًا من دور الفلسطينيين في الخارج، مشيرًا إلى أنها تختلف عن التفاهمات التي توصلت إليها الفصائل الفلسطينية عام 2021، وداعيًا إلى إعادة النظر في التوزيع بما يضمن تمثيلًا أكثر شمولًا.
ويؤكد الزير أن الفلسطينيين في الخارج، المنتشرين في أكثر من مئة دولة، يمتلكون طاقات سياسية ومجتمعية واسعة، وأن استبعادهم أو تقليص دورهم في صناعة القرار من شأنه أن يعمق أزمة الشرعية والانقسام السياسي.
ويربط الزير ذلك بمستقبل منظمة التحرير، التي يعتبرها المرجعية الوطنية الجامعة، داعيًا إلى إعادة هيكلتها عبر انتخابات عامة تتيح للفلسطينيين اختيار مجلس وطني جديد.
وبحسب التصور الذي طرحه، ينتخب المجلس الوطني الجديد المجلس المركزي واللجنة التنفيذية، بما يتيح إعادة تشكيل مؤسسات المنظمة على أساس انتخابي يعكس إرادة الفلسطينيين.
ويستند الزير في موقفه إلى النظام الأساسي لمنظمة التحرير، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين جميعًا أعضاء طبيعيون فيها، وبالتالي فإن مشاركتهم في مؤسساتها يجب أن تكون قائمة على الانتخاب والتمثيل، وليس على التعيين أو الإقصاء.
وفي ما يتعلق بالانتخابات في الخارج، طرح الزير آلية تبدأ بتسجيل الفلسطينيين في كل دولة ضمن سجل انتخابي، ثم فتح باب الترشح وإجراء الاقتراع في مراكز تتناسب مع أماكن وجود الجاليات الفلسطينية.
كما دعا إلى إشراك هيئات رقابية محلية وشخصيات وطنية وفعاليات مجتمعية ووجهاء عائلات في الإشراف على الانتخابات، بحيث لا تقتصر العملية على المؤسسات الرسمية أو أعضاء السفارات.
وقال إن إجراء الانتخابات للفلسطينيين في أوروبا ممكن من الناحية العملية، معتبرًا أن عملية التسجيل والاقتراع يمكن تنظيمها بتكاليف محدودة ونتائج دقيقة إذا توفرت مرجعيات مستقلة وواسعة التمثيل.
وتأتي هذه الخلافات بالتزامن مع عودة الانتخابات الفلسطينية إلى الواجهة، بعد إعلان رئيس السلطة محمود عباس إجراء الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
وبحسب المرسوم الرئاسي، يجري انتخاب أعضاء المجلس التشريعي في الموعد المحدد، فيما يُحدد موعد الانتخابات الرئاسية، المقرر عقدها خلال الربع الأول من العام المقبل، بموجب مرسوم لاحق.
وكان عباس قد أعلن في 30 نيسان/أبريل 2021 تأجيل الانتخابات التشريعية التي كان مقررًا إجراؤها في 22 أيار/مايو من العام نفسه، بعدما برر القرار آنذاك بعدم ضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس المحتلة.
ومع إعادة فتح المسار الانتخابي، يعود إلى الواجهة بالتوازي ملف إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير وطريقة تمثيل الفلسطينيين في الخارج، في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى انتخابات شاملة تضمن مشاركة الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم وتعيد تجديد شرعية المؤسسات الوطنية.



